المجموعة (956)


يقول السائل: هل يجوز التبرك بالأولياء والصالحين؟

 

الجواب:
التبرك بالأولياء والصالحين يحتمل أحد معنيين:
المعنى الأول: أن يدعو الأولياء والصالحين من دون الله، أو أن يصرف لهم العبادات وأن يطلب منهم المدد وأن يستغيث بهم وأن يذبح لهم، أو ينذر لهم، إلى غير ذلك من المعاني، بحجة أن يشفعوا له عند الله، فيجعل الأولياء والصالحين وسائط بينه وبين الله، وهذا الفعل شرك أكبر كما دل على ذلك القرآن، قال سبحانه عن كفار قريش: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3] وقال سبحانه: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [يونس: 18].

فواقع كفار قريش أنهم يعتقدون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المُدبر …إلخ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31].

ويقول سبحانه: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ ﴾ [العنكبوت: 61] فإذن كفار قريش مُقرون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وإنما وقعوا في هذا الأمر وهو أنهم يدعون الأولياء والصالحين أو ينذرون لهم، أو يستغيثون بهم، أو يطلبون منهم المدد، إلى غير ذلك من العبادات حتى يشفعوا لهم عند الله، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3] فمن فعل هذا فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48].

وهذا الفعل شرك بإجماع أهل العلم، وقد توارد العلماء على ذلك وحكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في (مجموع الفتاوى).

المعنى الثاني للتبرك بالأولياء والصالحين: أن يتبرك ببصاقهم أو أن يتمسح بهم، ويطلب البركة ببصاقهم وبملابسهم وغير ذلك، وهذا الفعل محرم وهو وإن لم يكن شركًا أكبر إلا أنه بدعة مُسخطة لله، وذلك أن التبرك لم يثبت إلا تبرك الصحابة -رضي الله عنهم- بالنبي -صلى الله عليه وسلم- دون غيره، فلم يكن الصحابة يتبركون بأبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي -رضي الله عنهم- ولو كان التبرك والتمسح والتسابق على بصاق الصالحين خيرًا لما ترك الصحابة فعل ذلك مع هؤلاء الأخيار، بل لما ترك ذلك التابعون مع هؤلاء الصحابة الأخيار -رضي الله عنهم-.

فدل هذا على أن التبرك خاص بالله، وقد بيَّن هذا في كلام نفيس الشاطبي في كتابه (الاعتصام) وابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه (الإذاعة)، فقد بيَّنوا أن مثل هذا لا يصح لما تقدم ذكره، ولو كان خيرًا لما ترك ذلك الصحابة مع السابقين الأولين من الخلفاء الراشدين وأمثالهم، ولما ترك ذلك التابعون مع الصحابة -رضي الله عنهم-.

فتركهم لهذا الأمر يدل على أنه لا يصح أن يُفعل، وقد أمرنا الله أن نقتدي بهم، قال سبحانه: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100] وقال سبحانه: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾ [النساء: 115].

وقد حاول بعضهم أن ينقل كلمات لأهل العلم بأن الإمام أحمد تبرّك بملابس الإمام الشافعي، وينقل كلمات في ذلك عن أبي حنيفة، لكن كل هذا لم يثبت عن السلف -رضي الله عنهم-.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.