المجموعة (941)


يقول السائل: من أثنى على أهل البدع هل يُلحق بهم؟ أم ننظر في ثنائه هل ثناؤه عليهم لأجل بدعتهم أو لأمر آخر؟

الجواب:
تكاثرت كلمات أئمة السنة وعلماء الإسلام على أن من أثنى على أهل البدع فقد أضر بالإسلام والمسلمين، وأنه يُبدَّع، إلى غير ذلك.
ومن ذلك ما روى الآجري عن أبي إسحاق الهمداني، والهروي في (ذم الكلام) عن الأوزاعي، واللالكائي عن إبراهيم بن ميسرة، أنهم قالوا: من وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، وذكر نحوًا من ذلك البربهاري في شرح (السنة) عن الفضيل بن عياض، ورُوي عن غيرهم من أئمة السنة.

وقد شرح هذا الشاطبي -رحمه الله تعالى- في كتابه (الاعتصام) بشرح مفيد، وبيَّن أن مجرد الثناء والتعظيم والتوقير لأصحاب البدع، أن في ذلك إضرارًا على السنة وأهلها، ولا يُفرق أئمة السنة بين أن يُعظم صاحب بدعة لبدعته أو لذاته، فمجرد أنه صاحب بدعة فإذا عُظِّم فإن في هذا إضرارًا بالإسلام والمسلمين إضرارًا كبيرًا.

ولأخذ العبرة: فقد ذكر الذهبي في (السير) أن أبا ذر الهروي وهو راوية البخاري المعروف كان مع الدارقطني -رحمه الله تعالى- فالتقيا أبا بكر الباقلاني، فلما رآه الدارقطني أثنى عليه وقبَّل رأسه أو جبينه، فسأل أبو ذر الهروي الدارقطني عن أبي بكر الباقلاني، قال: هذا الذي نصر أصول الدين… أو كلامًا نحو هذا.

فلزمه أبو ذر الهروي وأخذ عنه الاعتقاد الأشعري، وأصبح أبو ذر الهروي راوية الإسلام لصحيح البخاري، ووفد الناس عليه لأنه كان في مكة، فتناقل الناس عنه صحيح البخاري، فأول ما دخلت الأشعرية في بلاد المغرب -بالمعنى العام- كان بسبب أبي ذر الهروي لما يأتي الناس إليه من بلاد المغرب، فيأخذون عنه رواية صحيح البخاري، كان يُلقنهم الاعتقاد الأشعري.

فبهذه القبلة انتشرت الأشعرية في بلاد المغرب، والدارقطني -رحمه الله تعالى- معذور لأنه ما كان يعرف حال أبي بكر الباقلاني، وقد ذكر السجزي في رسالته لأهل زبيد أن أبا بكر الباقلاني كان يكذب ويتظاهر لأهل الحديث بخلاف حقيقته، فلأجل هذا عُذر الدارقطني -رحمه الله تعالى- وليس هذا المقصود، وإنما المقصود أن تعظيم أهل البدع والثناء عليهم لمجرد كونهم مبتدعة أن في هذا إضرارًا كبيرًا على الإسلام والمسلمين.

ومن الأخطاء الشائعة ما يذكره بعضهم أنه إن عُظِّمَ لبدعته فإن كلام السلف مُنزَّل على هذا، بخلاف إن عَظِّم لغير بدعته. وهذا خطأ وهو مخالف لإطلاق السلف وكلامهم العظيم.

ومما يؤكد ذلك أن كلمات السلف كثيرة في أن من جالس المبتدعة فإنه يكون مبتدعًا مثلهم، وقد ذكر آثارًا في ذلك وأطال الكلام عليه الإمام ابن بطة في كتابه (الإبانة الكبرى).

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.