المجموعة (921)


يقول السائل: أنا بأمريكا ومن يموت لدينا بمرض كرونا يُمنع من غسله، فهل يُدفن من غير تغسيل؟

الجواب:
أسأل الله أن يغفر لموتى المسلمين، وأسأل الله أن يجعل لهم أجر الشهيد إنه الرحمن الرحيم.
وليُعلم أن من مات من المسلمين ولم يُتمكن من تغسيله فإنه يُنتقل إلى البدل وهو التيمم، ذكر هذا الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في قول، ويدل لذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرج الشيخان من حديث أم عطية قال: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» فدل على أنه يُوضَّأ.

فمن يُوضَّأ ولم يُستطع توضيؤه فإنه يُنتقل إلى البدل وهو التيمم، فإذا لم يُستطع أن يُنتقل إلى البدل وهو التيمم فإن هذا واجب سقط للعجز، ولا واجب مع العجز.

لكن أنبه إلى أمر: إذا أمكن تغسيله ولو بأن يُغسل بالماء من بعيد، بحيث إن الماء يُعمم على بدنه كله، فإن هذا يُجزئ، إذ شرط تغسيل الميت أن يعم الماء البدن كله، فلو أمكن تغسيله من بعيد فإنه مجزئ، فإن لم يُمكن يُيمم، وإن لم يمكن أن يُيمم فإن هذا واجب سقط للعجز كما تقدم، والقاعدة الشرعية: لا واجب مع العجز. كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وكما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».

ثم بعد ذلك إن لم يُستطع تغسيله ولا أن يُيمم، فيُصلى عليه، كما هو أصح القولين فإن الصلاة عليه ليست مرتبطة بتغسيله، كما هو قول عند المالكية وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية، إذ لا دليل على ارتباط الصلاة عليه بتغسيله، فعلى هذا من لم يُغسل يُصلى عليه ويُدفن.

يقول السائل: هل تصح صلاة المأمومين مع تباعدهم في الصف خلف الإمام لمرض الكرونا؟

الجواب:
إن التراص في الصف مستحب كما دلت على ذلك السنة وفِعال الصحابة وإجماع أهل العلم، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتموا الصفوف» وفي بعض الروايات: «أقيموا الصفوف» وفي البخاري قال أنس -رضي الله عنه-: “وكان أحدنا يُلصق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه”، وعلق البخاري نحو ذلك عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- وقد حكى الإجماع على استحباب ذلك ابن عبد البر في كتابه (الاستذكار) والقاضي عياض في شرحه على مسلم، والنووي في شرحه على مسلم.

لذلك التراص مستحب وليس واجبًا بإجماع أهل العلم، وقد خالف بعض أهل العلم وهم محجوجون بالإجماع -والله أعلم- وممن خالف ابن حزم وحكم على الصلاة بالبطلان، وهذا ليس غريبًا من ابن حزم، فإنه ظاهري معروف بأقواله الشاذة فمثله لا يُستغرب منه مثل هذا.

ومن كلمات ابن تيمية تأصيلًا في الظاهرية ما ذكره في كتابه (منهاج السنة) أن كل قول تفردت به الظاهرية فهو خطأ. وهذا القول وهو القول ببطلان الصلاة مما انفرد به ابن حزم فلا يُلتفت إليه، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب التراص وإلى أن سد الخلل في الصف واجب، إلا أن هؤلاء محجوجون بأفهام العلماء السابقين لهم من علماء المذاهب الأربعة وغيرهم من علماء السلف.

ومما يدل على ذلك الإجماعات المتقدمة، وممن شذ في ذلك ابن حجر الهيتمي في كتابه (الكبائر) وبالغ وجعله كبيرة، مع اعترافه أن الشافعية على خلاف هذا الفهم، فهو قد انفرد بهذا ولا يُلتفت إلى قوله.

والإجماعات المتقدمة تدل على الاستحباب، وقد قال بعضهم: إن هذه الإجماعات في بيان استحباب هذا الفعل من حيث الأصل، لا أن العلماء مجمعون على عدم الوجوب، لكن في هذا نظر من جهتين:

– الجهة الأولى: أنهم لو أرادوا ذلك لبيَّنوه، فإن العلماء الذين حكوا الإجماع لم يذكروا أن هناك قولًا يدل على الوجوب.
– الجهة الثانية: أنه لو كان كذلك لنقل العلماء القول بالوجوب وكان معروفًا شائعًا، وهو غير معروف عند أهل العلم، والعلماء متواردون على حكاية الاستحباب، ولا يحكون القول بالوجوب إلا عمن تأخر.

إذا تبيَّن هذا فإذن التراص وسد الخلل مستحب، ومخالفة ذلك مكروه، ومن فعل ذلك خوفًا وخشيةً من مرض الكرونا فهو قد فعل مكروهًا لحاجة، ومن القواعد المتقررة التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) وغيره: أن الكراهة ترتفع عند الحاجة.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.