المجموعة (839)


يقول السائل: رجلٌ قادر على الحج وعنده القدرة المالية والبدنية ولكن عندما تنصحه بالحج وتُذكره بأن الله تعالى قد أنعم عليه وأن الحج واجب على المستطيع، فيقول: أنا قد عملت وصية بقطعة أرض إذا مت يبيعها ورثتي ويحجون بثمنها عني. فما حكم ذلك؟

الجواب:
إن الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وهو واجب على الفور، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97]، فمن كان قادرًا على الحج ولم يحج فإنه آثم لتأخيره للحج.

وقد ثبت عند البيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: “ليمت يهوديًا أو نصرانيًا، ليمت يهوديًا أو نصرانيًا، ليمت يهوديًا أو نصرانيًا -ثلاث مرات- من كان ذا سعة وخليت له الطريق فلم يحج”.

وهذا وعيد شديد لمن كان مستطيعًا للحج ولم يحج، فإذن كل من كان مستطيعًا للحج وتأخر عن الحج فهو آثم، لذا ينبغي على هذا وأمثاله أن يتقوا الله.

أما أن يتحجج بأنه قد أوصى أن يُحج عنه فلذلك لا يُبادر بالحج؛ فإن هذا ليس نافعًا له عند وقوفه بين يدي ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

فإني أنصح هذا الرجل وغيره ممن هو مستطيع للحج أن يُبادروا بالحج وألا يُؤخروه، فإن من أخروه بلا عذر مات آثما
، أسأل الله أن يعافيني وإياكم وجميع المسلمين.

يقول السائل: من عيَّن أضحية ثم طرأ عليه أحد موانع الإجزاء، هل يصح التضحية بها؟ أفيدوني.

الجواب:
إن تعيين الأضحية يكون بالقول، كأن يقول: هذه أضحيتي، في شاة قد اشتراها أو في شاة كانت عنده، فيقول: هذه أضحيتي، أو ما يرادف ذلك، وذلك أن التعيين على الصحيح إنما يكون بالقول كما ذهب إلى هذا مالك والشافعي وأحمد في رواية.

ثم ما عُين من الأضحية وكان سليمًا من العيوب فإنه إذا عرضت له العيوب بعد ذلك فإنه لا يمنع إجزاءها، ذهب إلى هذا مالك والشافعي وأحمد.

فلو أن رجلًا اشترى شاةً أو كانت عنده شاة وقال: هذه أضحيتي، أي عينها، وكانت سليمة من العيوب، ثم بعد ذلك طرأ لها عيب من العيوب بأن كُسرت رجلها وصارت عرجاء وقد بان عرجها، ولم يكن بتفريط منه، فإن هذه الأضحية تجزؤه، لأنه قد عيَّنها وهي سليمة من العيوب، وما طرأ عليها لم يكن بتفريط منه.

يقول السائل: ما الفرق بين الفراسة وادعاء علم الأولياء ما في القلوب عند الصوفية؟

الجواب:
يقال: ينبغي أن يُعلم أن الفراسة عند أهل السنة أقسام ثلاثة:

القسم الأول: الفراسة الخلقية، وذلك أن يُستدل بأمور خلقها الله في الإنسان على أمور في طبعه وعادته، كما يقال: إذا كان الرجل كبير الرأس فهو يدل على ذكائه، وإذا كان بعيد ما بين المنكبين فهو يدل على حلمه، إلى غير ذلك.

القسم الثاني: الفراسة التي تكون بالتدريب والكسب، وذلك أنهم يقولون: إذا جاع الرجل جوعًا غير شديد فإنه يحتد ذكاؤه وفهمه، وهذا نوع من أنواع الفراسة.

القسم الثالث: الفراسة الدينية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: 75] قال جماعة من السلف كمجاهد وغيره: هي الفراسة.
وذلك أن يُوقع الله في قلب العبد شيئًا يعلم به ما لا يعلمه غيره من الغيبيات، ويسمى بالكشف، وهذا النوع من الفراسة صحيح وقرره أهل السنة -رحمهم الله تعالى-.

وقد ذكر هذه الأقسام الثلاثة ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين)، وتكلم أيضًا ابن القيم عن الفراسة في كتابه (مفتاح دار السعادة)، وذكر هذه الأقسام الثلاثة ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية.

فالنوع الثالث من الفراسة وهو الفراسة الدينية تحصل بقوة الإيمان، وهذا النوع من الفراسة لا يخرج عن كونه ظنًا، فلا يكون علمًا كما بيَّن هذا ابن رجب في شرحه على البخاري، فالفراسة وما يحصل بالرؤى مما يُعرف في المستقبل كله ظن، والعلم الذي اختص الله به هو اليقين.

والفرق بين الفراسة وادعاء الأولياء ما في القلوب عند الصوفية يرجع إلى أمور:

الأمر الأول: أن غالب من يُدعى فيهم الولاية من الصوفية هم على خلاف طريق الاستقامة، بل تراهم مشركين أو أهل بدع، أو يدعون علم الغيب، إلى غير ذلك، أما الفراسة فهي إنما تكون من أهل الإيمان ممن سلمت طريقتهم من طرائق أهل البدع، بأن كانوا متمسكين بالتوحيد والسنة.

الأمر الثاني: أن علم الفراسة الذي تقدم ذكره -وهي الفراسة الدينية- لا تخرج عن كونها ظنًا، أما الصوفية فيجزمون بما عند أوليائهم مما يذكرونه من علم الغيب، ففرق بين الأمرين، فإن علم الغيب في المستقبل أو ما في قلوب العباد وغير ذلك كل هذا مما اختص الله به.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.