المجموعة (1029)


يقول السائل: ما حكم التأمين التجاري مع التفصيل؟

الجواب:
المراد بالتأمين التجاري أن يُؤمِّن رجلٌ على سيارته، أو على صحته، أو على بضاعته، إلى غير ذلك، فيدفع سنويًا مبلغًا معينًا تأمينًا على صحته، وقد يمرض مرضًا كثيرًا فيُكلف ثمنًا أكثر مما دفعه للتأمين، وقد لا يمرض البتة، فيذهب ماله بلا مقابل، ومثل هذا ينبغي معرفة حكمه بمعرفة مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن الميسر محرم في الشريعة، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوهُ لعلكمْ تُفْلِحُونَ﴾، والميسر: ما كان الغنم والغرم مبنيًا على الحظ المحض، أي ما كان الربح والخسارة فيه مبنيًا على الحظ المحض، ما كان كذلك فهو ميسر، ومثل ذلك التأمين، فإنه مبني على الحظ المحض، فقد يدفع الرجل تأمينًا على صحته سنويًا ألف ريال، وقد يمرض بمرض يكون ثمن علاجه أكثر من الألف وقد يكون أقل من ذلك، فهو إذن راجعٌ إلى الحظ المحض، وكل ما رجع إلى الحظ المحض فهو محرم شرعًا لأنه ميسر.

المقدمة الثانية: ينبغي أن يُعلم أنه ليس للضمان المستقل ثمنٌ في الشرع، وقد اتفق على هذا علماء المذاهب الأربعة، بل حكاه ابن رشد إجماعًا في مقدماته، فلذلك الضمان لا قيمة له، فمن أراد أن يشتري ضمانًا مستقلًا فقد وقع في محرم وأكل وأكَّل مالًا محرمًا، فلو أن رجلًا اشترى سيارته بمائة ألف ريال، ثم قال له قائل: أنا أضمن سيارتك لمدة سنة أو سنتين بأن إذا أصابها عطل أو حادث أو غير ذلك فإنني أُصلحها، فزد على ثمن شرائها عشرة آلاف ريال. هذا محرم شرعًا، فإنه ليس للضمان المستقل ثمن، بل هو محرم إجماعًا كما تقدم ذكره، وهو فرع عن حرمة الميسر.

إذا تبيَّنت هاتان المقدمتان، فإن الذي عليه علماؤنا إلا من شذَّ منهم أن التأمين التجاري محرم شرعًا ولا يجوز، وفي مقدمة هؤلاء العلماء أئمة العصر الثلاثة، العلامة عبد العزيز بن باز والعلامة محمد ناصر الدين الألباني والعلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمهم الله رحمة واسعة-.

وحاول أن يُعارض ذلك جماعة، وأتوا بأدلة أصح ما يُقال فيها شبهات، وإلا هي ضعيفة ولا يصح الالتفات إليها، وأذكر بعض هذه الأدلة:

الدليل الأول: قالوا: كما يجوز في الشريعة أن الرجل لو سافر سفرًا وكان الطريق مخوفًا، فاستأجر حراسًا، فإن هذا تأمين، لأنه استأجر حراسًا على الأمان له بأن يكونوا حراسًا له يؤمنونه، إلى غير ذلك.

فيقال في الجواب عن هذه الشبهة: إنه لا علاقة لهذا الفعل بالتأمين البتة، وهذا يتضح بأدنى نظر، وذلك أن من استأجر حارسًا أو حراسًا لحمايته وحماية بيته، إلى غير ذلك، هؤلاء لا يضمنون ألا يصاب بيته بشيء، وإنما هم مجتهدون للدفاع عن البيت، فلو قدر أن لصوصًا كثيرين هجموا ولا قبل لهم لمواجهة هؤلاء اللصوص، فإنهم غير مؤاخذين، بل لو هجم عليهم لص وكان واحدًا وهم أكثر من ذلك، واستطاع هذا اللص أن يقضي عليهم وأن يسرق، فهم غير مؤاخذين إذا لم يفرطوا.

فإذن الحقيقة أنهم لم يستأجروا الأمان، وإنما استأجروا فعله للسبب في حمايتهم وحراستهم، وفرق بين الأمرين.

الشبهة الثانية: أن في الشريعة من قتل خطأ فإن الدية على عاقلته، أي على أقاربه من العصبة، فإذن إذا كانت الدية على أقاربه فإن أقاربه اليوم يدفعون ديته وغدًا إذا أحدٌ من أقاربه قتل أحدًا خطأ فإنه هو وأمثاله من الأقارب يدفعون، وهذه صورة من صور التأمين.

والجواب أن يُقال: كلا، لا علاقة لهذا بالتأمين البتة، وذلك أن دفع العاقلة للدية من باب الإحسان لا من باب المعاوضة، بمعنى: قد يقتل أحدهم رجلًا خطأ، فتدفعه العاقلة، وهو إحسان منهم لا من باب المعاوضة وشيء مقابل شيء، ففرق بين الأمرين، بخلاف التأمين فهو من باب المعاوضة، يدفع ألف ريال أو خمسمائة ريال أو أكثر أو أقل سنويًا مقابل أنه إذا مرض يُعالج أو إذا تعطلت سيارته بعطل أو أصابها اصطدام أو غير ذلك فإنها تُصلح، فإذن التأمين من باب المعاوضة أما ما يدفعه العاقلة فهو من باب الإحسان، وفرق بين الأمرين.

وينبغي أن يُعلم أن النية مؤثرة في الشريعة، سواء في العبادات أو في المعاملات، لذا من المعلوم شرعًا أنه يشترط في المال بالمال التقابض والتماثل، لكن مثل هذا ليس شرطًا في باب القرض، فلو أعطاك رجل مائة ريال على أن تردها مائة ريال بعد سنة، فإن هذا جائز ولا يشترط التقابض، وذلك أن القرض من باب الإحسان، وفرقٌ بين عقود الإحسان والإرفاق وبين عقود المعاوضة، والربا من باب المعاوضة فهو من عقود المعاوضة.

وهذه أمور ينبغي أن تُفقه وأن تُعرف لئلا يلتبس الأمر على المسلمين.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.