المجموعة (1023)


يقول السائل: ما علاج الخوف من المستقبل؟

الجواب:
يكثر عند بعض المسلمين الخوف من المستقبل، فلذا أصبح داءً قد تورَّط به بعض المسلمين، وعلاج هذا الداء يرجع إلى أمور منها:

الأمر الأول: استحضار الحكمة التي خُلقنا من أجلها، إننا خُلقنا لحكمة عظيمة وهي عبادة الله سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿ وَمَا خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56] فهذا هو واجب الوقت، أن نشتغل بالعبادة، وأن نشتغل بتوحيد الله، وأن نشتغل بالقيام بالسنة وترك البدعة، وأن نحذر البدع ولنحذر المحرمات من الكبائر والصغائر، وأن نشتغل بالصلوات الواجبة الفرائض، وإذا زدنا المستحبات فهو خير ونور على نور.

وهكذا نشتغل بواجب الوقت وهو عبادة الله سبحانه، فما الفائدة من الهموم ومن الظنون ومن الغم الذي يُشغل القلب ويُشغله عن واجب الوقت وهو عبادته؟

واعلم أنك إن تعبّدت الله وقمت بواجباته فقد فزت، وهذا هو الفوز العظيم، كما قال سبحانه: ﴿ فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحياة إلا متاع الغرور ﴾ [آل عمران: 185].

لذلك ينبغي أن نشتغل بالواجب الذي خُلقنا من أجله وهو الواجب الأساس وهو عبادة الله سبحانه، ولا نجعل للشيطان مدخلًا علينا في أن يُشغل قلوبنا بالهموم والغموم حتى يصدنا عن واجب الوقت.

الأمر الثاني: الإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره وحلوه ومره، روى الإمام مسلم في حديث جبريل الطويل المعروف في حديث ابن عمر عن عمر، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

إن الأمور قد قُدِّرت وانتهت، كما قال سبحانه: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ [الحديد: 22-23].

قد قُدِّرت الأمور كلها وانتهت، وقُدِّرت من حكيم عليم رحمن رحيم، تأمَّل كيف أن الله جمع بين العلم، والله يقول: ﴿ وَالله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ [البقرة: 216] وبين الحكمة، فيضع الأمور في موضعها، وبين الرحمة، فهو أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، فلماذا الخوف والوجل والأمور قد قُدِّرت كلها من الحكيم العليم؟ ولم يُقدِّر إلا ما هو خيرلنا، علمه من علمه، وجهله من جهله، تأكَّد أن ما قدَّره الله مما ظننته شرًا لك، هو خير، لكن الله يعلم ونحن لا نعلم، سبحانه وتعالى.

الأمر الثالث: التوكل على الله، فإن التوكل على الله عبادة عظيمة، قال سبحانه: ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ [الطلاق: 3] وقال سبحانه: ﴿ وَعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾ [المائدة: 23] وقال: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) [آل عمران: 175].

تأملوا كيف أن الله يأمرنا بالإقبال عليه وبالتوكل عليه وحده، وأن الشطيان يريد خلاف ذلك، فيقول سبحانه: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) [آل عمران: 175] فلا تجعل للشيطان عليك مدخلًا وعلق قلبك بالرحمن الرحيم، الذي هو أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، وهذا هو حقيقة التوكل وهو اعتماد القلب وتفويضه الأمور كلها لله سبحانه.

فلنعتمد على الله ولنفوض الأمور كلها لله، على الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو.

الأمر الرابع: حسن الظن بالله، إن مما ذمَّ الله به الكافرين أنهم أساءوا الظن به، قال: ﴿ الظانين بالله ظن السوء ﴾ [الفتح: 6] وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»، فتأمل: «أنا عند ظن عبدي بي»! فنظن بالله خيرًا، ولنُقبل على الله سبحانه، إذا أحسنت الظن بالله لم تخف؛ لأنك تحت أمر من بيده كل شيء سبحانه، فأحسن الظن بالله.

أيها المسلمون أحسنوا الظن بالله، كلما أقبلتم على شيء أحسنوا الظن بالله، اتركوا المحرمات ابتغاء ما عند الله، واعلم أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا من حسن الظن بالله، أغلق الباب على الشيطان في أن يدخل علينا بالهموم وبالظنون ولنُحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فإن إحسان الظن بالله عبادة عظيمة وسببٌ عظيم لانشراح الصدر وإقبال القلب وراحة النفس.

الأمر الخامس والأخير: إن من انشغل بالمستقبل وبالهموم والأرزاق وغير ذلك، هذا الانشغال والخوف لا فائدة منه، هل إذا خاف الإنسان من المستقبل سيتحسن المستقبل في حقه؟ كلا، فإذن لا فائدة منه، فمقتضى العقل ألا يُنشغل بهذا لأنه لا فائدة منه، وإنما يُشتغل بأمرين:

الأمر الأول: طاعة الله والإقبال على الله وإحسان الظن بالله والتوكل عليه …إلخ.
الأمر الثاني: فعل الأسباب، واعلم أنه لا يكون لك من رزق إلا ما قدره الله، ولم تُمنع شيء من الرزق وقد قدره الله وقضاه لك.

فأقبلوا عباد الله على الله، وأحسنوا الظن بالله.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.