المجموعة (1020)


يقول السائل: أرجو التعليق على قاعدة (تعارض الأصل مع الظاهر).

الجواب:
إن هذه القاعدة قاعدة مهمة، وقد كثُر كلام العلماء عليها، وكثُر ذكر التفريعات تحت هذه القاعدة، وينبغي عند النظر في هذه القاعدة أن يُستحضر أمران:
الأمر الأول: أن العلماء متنازعون في معنى الظاهر، وبحسب مرادهم بالظاهر تارةً يُقدَّم الظاهر وتارةً يُقدَّم الأصل.

الأمر الثاني: أن العلماء متنازعون في تنزيل هذه القاعدة على الفروع وعلى المسائل، فقد يتفق اثنان على القاعدة وعلى معنى الظاهر لكن يتنازعان في الفروع التي تدخل في هذه القاعدة، وهو من جنس ما يتنازع فيه العلماء كثيرًا وهو المسمى بتحقيق المناط.

بعد معرفة هذا، أحاول قدر الاستطاعة أن أُقرِّب كثيرًا من شتات وفروع هذه القاعدة فيما يلي:

الأمر الأول: المتعيِّن شرعًا العمل بالأصل، ولا يُنتقل عن الأصل إلا بدليل شرعي، للأدلة الكثيرة في حجية الاستصحاب -أي البراءة الأصلية- فالمتعين شرعًا أن يُعمل بالأصل ولا يُنتقل عن هذا إلا بدليل.
لذلك إذا شكَّ رجلٌ متوضئ ومتطهر في طهارته فالأصل طهارته، وكذلك إذا شكَّ رجلٌ هل أتى بالركعة الرابعة أو لم يأت بها فالأصل أنه لم يأت بها والأصل أنه لم يصل إلا ثلاث ركعات، وقد دل على هذين الأمرين السنة النبوية.

ففي مثل هذا عُمل بالأصل، وهذا هو المتعين أن يُعمل بالأصل ولا يُنتقل عنه إلا بدليل شرعي.

الأمر الثاني: إن أُريد بالظاهر غلبة الظن فيُنتقل عن الأصل لغلبة الظن، فإن غلبة الظن حجة في الشريعة، ومن فروع ذلك: إذا نظرَ رجلٌ في السماء وغلب على ظنه غروب الشمس، فإن له أن يُفطر إذا كان صائمًا وله أن يصلي المغرب، ففي مثل هذا عمِلَ بغلبة الظن، فإذن إن أُريد بالظاهر غلبة الظن فإنه يُقدم على الأصل ولا يصح لأحد أن يقول: الأصل بقاء النهار؛لأنه يُنتقل عن الأصل لغلبة الظن.

الأمر الثالث: قد يُراد بالظاهر ما أمرت الشريعة باتباعه، فإذا كان كذلك فإنه يُقدم على الأصل، كمثل خبر الثقة، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] فمفهوم المخالفة: خبر الثقة يُقبل، وكذلك شهادة العدول، فلا يصح لأحد أن يقول: لا نقبل خبر الثقة ولا شهادة العدل تمسكًا بالأصل. فيقال: يُنتقل عن الأصل بما أمرت الشريعة بالانتقال عنه، ففي مثل هذا يُسمى ما أمرت الشريعة بالانتقال عنه بالظاهر.

الأمر الرابع: قد يحصل تعارض بين الظاهر والأصل، فيُحتاج إلى القرائن التي تُرجِّح، كما إذا كانت امرأة تحت رجل سنين، ثم بعد سنوات ادَّعت أن زوجها لا يُنفق عليها فطالبت بالنفقة، ففي مثل هذا يُقدَّم الظاهر وهو أنه قد أنفق عليها ولا يُقال الأصل عدم النفقة فإذن يُطالب وإنما يُقدم الظاهر وهو أن بقاء المرأة هذا الوقت تحت زوجها ولم تشتك …إلخ، ولا يوجد من يشهد بعدم وجود النفقة …إلخ، فالظاهر في مثل هذا أنه يُنفق عليها فيُعمل بالظاهر، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام في مثل هذه المسألة.

وإلا للزم على مثل هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتوى)- أنه كلما أنفق الرجل على امرأته أن يُشهد على ذلك أو أن يُوثق ذلك، وهذا ما لا يصح لا عقلًا ولا عرفًا ولا عادةً.

فإذن الكلام في هذه القاعدة طويل الذيل، لكن حاولت تقريبه بما تقدم ذكره.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.