المجموعة (1000)


يقول السائل: ما الراجح في مسألة حكم تارك العمل بالكلية؟

الجواب:
هذه مسألة مهمة وقد منَّ الله بكرمه أن فصلت الجواب عليها في شرحي المُطول على الواسطية، وفي ردي على علوي السقاف في تعليقاته على تعليقات الشيخ محمد خليل هراس على الواسطية، وكلاهما موجودان في موقع الإسلام العتيق.

وخلاصة ما يُقال: إن ترك عمل الجوارح بالكلية بحيث إن الرجل ينطق الشهادتين ويبقى عمره ودهره كله لم يعمل شيئًا من أعمال الجوارح الواجبة مع إمكانه ولا مانع يمنعه إلى أن يموت، أن هذا كفر بإجماع أهل السنة، كما يدل عليه كلام الحميدي، والشافعي، والإمام أحمد، وذكر هذا ابن تيمية في أكثر من موضع كما في (مجموع الفتاوى)، فهذه مسألة مجمع عليها عند أهل السنة.

لكن ينبغي أن يُعلم أن الخطأ فيها خطأ جزئي لا كلي، وليس معنى كون الخطأ جزئيًا أنه خطأ سهلٌ وإنما مثله مثل أن يخطأ رجل في صفة من صفات الله، كما أخطأ القاضي شريح في صفة العجب فأولها وأنكرها وأنكر قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ كما روى هذا البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات)، وقال ابن تيمية: والقاضي شريح إمام من الأئمة بالاتفاق. فهذا خطأ شديد لكنه جزئي لم يشتهر الخلاف فيه بين أهل السنة وأهل البدعة، فعلى هذا لا يُبدع المخالف من أهل السنة إذا كان يُقرر أن العمل من الإيمان وأخطأ في هذه المسألة.

فينبغي أن نكون وسطًا في هذا الباب بأن يُقرر أن عقيدة السلف أن من ترك أعمال الجوارح -بالضوابط المتقدم ذكرها- أن هذا كافر لكن في المقابل لا يُبدَّع من خالف في ذلك من أهل السنة ممن يُقررون أن العمل من الإيمان.

يقول السائل: يحصل من محادثة زملائي في قاعات الدراسة كثيرًا من المعاصي كسب الدهر والغيبة والتنابز بالألقاب، فهل يجب عليَّ مغادرة القاعة فور حدوث ذلك؟ أو مجرد النصيحة وترك الحديث فيكفي خشية الضرر المترتب على ذلك؟

الجواب:
الأصل إذا وقعت معصية في مكان أنه يجب إنكار ذلك، من استطاع بيده فليُنكر بيده فإن لم يستطع أو ترتب على الإنكار مفسدة أكبر فيُنكر بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان كما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.

ومقتضى إنكار القلب أن يُفارق المكان الذي فيه المنكر، وهذا هو الأصل، لكن إذا كان الطالب مبتلى بأمثال هؤلاء في قاعة الدراسة وقد بيَّن لهم بالتي هي أحسن وعرفوا إنكاره لهذا الأمر ولابد من جلوسه في القاعات، فمثل هذا إما أن يُنكر عليهم ويُعيد الإنكار أو يعتزلهم حال فعلهم هذا المنكر ويتعاهدهم بالنصيحة ما بين حين وآخر بالتي هي أحسن للتي هي أقوم، برسالة على الجوال أو بغير ذلك.

فالمقصود أنه لابد أن يُكرر النصح والإنكار بالتي هي أحسن وإذا لم يستطع ذلك فلا يجتمع معهم بل يُفارقهم، وليس معنى هذا أنه لابد أن يخرج من القاعة كلها بل يعتزلهم ولو في القاعة نفسها، وإذا كان يترتب على ذلك ضرر. عليه من أذية أو غير هذا فليراع المصلحة مع الاجتهاد على النصيحة، لكن لا يترك دراسته ولا استفادته فإن فعل مثل هذا جاء في الشرع من باب سد الذرائع والقاعدة الشرعية: أن ما مُنع سدًا للذريعة جاز للمصلحة الراجحة.

فعلى هذا لا يترك الدراسة لأجل وجود من يفعل هذه المعاصي في القاعات بل يستمر في تعلمه مع مباينتهم واعتزالهم في القاعة نفسها ومناصحتهم على ما تقدم ذكره.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.