الطيرة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثير ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.

أما بعد:إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار أما بعد أيها الناس:

لقد كان أهل الجاهلية يتطيرون بالأيام والشهور، ويتطيرون بالحيوانات والطيور وغير ذلك والمراد بالتطير يا عباد الله أن يريد أحدهم السفر،أو يريد أحدهم الزواج، أو يريد أحدهم شيئاً من أموره فماذا يفعل؟ يأتي إلى شيءٍ من الطيور فيزجرها أي يخيف الطير فإن طار الطير إلى جهة اليمين مضى في أمره وشأنه وإن طار الطير إلى جهة الشمال رجع عن هذا الأمر ومنهم من كان لا يمضي في أمرٍ من الأمور في شهر صفر لا يخرجون للغزو، ولا للقتال، ولا لطلب الرزق، ولا يتزوجون في شهر صفر لأنهم يتشاءمون بذلك فلما جاء رسول الله r نفى هذه العقائد الجاهلية وأنكرها عليه الصلاة والسلام ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة t قال:قال r:{لا طيرة ولا صفر} أي أن هذه الأمور لا تنفع ولا تضر إنما الذي ينفع ويضر هو الله I ثم ما جعله وقدره من الأسباب الكونية الحقيقية التي قضى وقدر أنها تضر العبد.

أما هذه الأسباب الموهومة كالتطير بالطيور، أو الأيام والشهور، أو أصحاب العاهات فإن هذا من عقائد الجاهلية .

عباد الله ومع نهي النبي r وتحذيره لأمته من ذلك إلا أن هذه العقائد الجاهلية لا تزال في كثيرٍ من الناس إلى اليوم نعوذ بالله من ذلك فما زال كثيرٌ من الناس إلى اليوم يتشاءم برؤية أصحاب العاهات فمنهم من إذا فتح دكانه أو متجره ودخل عليه في أول اليوم رجلٌ أعمى، أو أعور، أو أعرج أغلق دكانه ورجع إلى بيته لماذا فعلت ذلك؟ قال: لأن هذا الرجل شؤمٌ وبلاء ومنهم من إذا أراد أن يسافر فرأى الغراب، أو البومة، أو غير ذلك من الطيور رجع من سفره لما يا عبد الله؟ قال: لأن هذه الطيور شؤمٌ وبلاء بل إن بلغ الحال يا عباد الله أن بعض الطالبات إذا دخلت الاختبار ثم لم تفلح في حل الأسئلة أتدرون بماذا تتشاءم؟ تتشاءم بثوبها الذي لبسته ذاك اليوم فلا تلبسه مرةً أخرى نسأل الله السلامة والعافية.

عباد الله يا من أكرمه الله U بالتوحيد وأكرمه الله U بالعقل ما دخل الطيور، وما دخل الشهور، وما دخل الثياب ما دخل هذه الأسباب الموهومة في قضاء الله وقدره لا يزال إلى اليوم أناسٌ يعتقدون هذه العقائد الجاهلية ثم اعلموا يا عباد الله أن الإنسان إذا وقعت الطيرة في قلبه لكنه ردها ولم يعمل بها فإنها لا تضره بإذن الله تعالى روى الإمام أحمد من حديث ابن مسعودt قال r:{ الطيرة شرك الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل} أي إن الطيرة قد يوقعها الشيطان في قلب المؤمن يريد الإنسان الخروج إلى سفره فيرى الغراب،أو أصحاب العاهات فيلقي الشيطان في قلبه التشاؤم فإذا دفعه بالتوكل على الله U ومضى في أمره فإن هذا لا يضره بإذن الله وفي صحيح مسلم من حديث معاوية السلمي t أنه سأل النبي r فقال: يا رسول الله وإن منا أقواماً يتطيرون قال: فلا يصدنكم.

فلو وقعت الطيرة في قلبك، أو ألقى الشيطان التشاؤم في قلبك فامضي في أمرك وتوكل على الله تعالى فإن هذا لا يضرك بإذن الله تعالى.

وإن مما يعين الإنسان على طرد التطير والتشاؤم الموهوم،والتشاؤم بالأسباب الموهومة كالتشاؤم بالأيام والشهور، أو بأصحاب العاهات، والطيور أن يذكر ما دلنا عليه الشرع عند ذلك فمنه ما ثبت عن عبد الله بن عمرو t أن يقول المؤمن إذا خشي على نفسه التطير ووقوع التشاؤم في قلبه أن يقول اللهم لا طير إلا طيرك،ولا خير إلا خيرك،ولا رب غيرك.

اللهم أحينا موحدين وأمتنا موحدين واحشرنا في زمرة إمام الموحدين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيرا أما بعد أيها الإخوة في الله:

إن نهي الشريعة عن التطير والتشاؤم بالأسباب الموهومة كالتطير بالأيام والشهور، أو التطير بأصحاب العاهات، أو الطيور لا يعني ذلك عدم الأخذ بالأسباب الحقيقية كلا يا عباد الله بل أمرنا الله U أن نأخذ بالأسباب الحقيقية لجلب الخير ودفع الشر ونهانا عن التطير.

فالأسباب نوعان: أسبابٌ حقيقية جعلها الله Uكوناً وقدراً تضر العبد.

والقسم الثاني: أسباب وهمية لا ارتباط لها بالمسببات ولا دخل لها فيما يحدث على العبد.

فالنوع الأول:أمرنا أن نجتنبه وأن نتباعد عنه.

والنوع الثاني:نهينا أن نأخذ به أو أن نأخذ بإيقاع الشيطان له في قلوبنا.

فمن النوع الأول: يا عباد الله لو أراد الإنسان الخروج إلى سفره فقيل له: إن في الطريق من يقطع الطريق ويقتل الناس فرجع من سفره فإن هذا لا يعد من التطير في شيء وإنما ذلك أخذٌ بالأسباب الحقيقية لجب الخير ودفع الشر بل ربما جعل الله U الشر في شيءٍ قريبٍ لك يا عبد الله فمن ذلك ما رواه البخاري من حديث أنسٍ t قال: قال r:{إن كان الشؤم في شيءٍ ففي الدابة،والمرأة،والدار} وفي روايةٌ أخرى {الشؤم في ثلاث المرأة،والدابة،والدار}والمراد بذلك يا عباد الله: أن هذه الثلاث الدابة التي يركبها الإنسان لقضاء حاجاته، والمرأة، والدار الذي يسكنه كثيراً ما تكون سبباً لوقوع الشر على ابن آدم.

فهذه الثلاث قد تكون أسباباً لوقوع الشر على العبد فكم من امرأةً أوقعت زوجها في الحرام وأطاعها في معصية الله I وكم من دابةٍ أهلكت صاحبها، وكم من دارٍ جلب لصاحبه الشر بكون جاره فاسقاً، أو فاجراً فيفسد عليه أهله وأولاده، أو يؤذيه في دينه ونفسه أو غير ذلك فهذه الثلاث قد تكون على بعض الناس أسباباً حقيقية لجلب الشر فالشريعة يا عباد الله أمرتنا بالأخذ بالأسباب الحقيقية لجلب الخير، ودفع الشر ونهتنا عن اتخاذ الأسباب الموهومة غير الحقيقية في جلب الخير،أو دفع الشر ومن ذلك التطير يا عباد الله.

اللهم أرزقنا التوكل عليك ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم إنا نعوذ بك من الشرك أكبره،وأصغره ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم أحينا موحدين وأمتنا موحدين يحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تلبسهما علينا فنضل ونشقى ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم أنجي إخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم لا تجعل للكافرين عليهم سبيلا، ولا للمنافقين عليهم سبيلا،ولا للمبتدعة عليهم سبيلا،ولا للرافضة والشيعة عليهم سبيلا اللهم اجمع كلمتهم على الكتاب والسنة ولي عليهم خيارهم ولا تولي عليهم شرارهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم أصلح الراعي والرعية ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما اللهم توب علينا توبةً نصوحة اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك فيه وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين يا رب العالمين وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين.