السلفيه ومشروعها السياسي في العصر الحديث


السلفيه ومشروعها السياسي

في العصر الحديث



بسم الله والحمدلله

لكل مشروع في هذه الحياة أساس يقوم عليه وأهداف يسعى لتحقيقها سواء كان مشروعاً دينياً او سياسياً او اجتماعياً او اقتصادياً الى آخره من نواحي الحياة ،
ومن ضمن هذه المشاريع موضوع مقالنا هذا الا هو المشروع السياسي فلا تكاد تجد دولة أو دعوة أو حركه إلا ولها مشروع سياسي يقوم على أساس ما تدعو اليه
وبما أن وطننا المملكه العربيه السعوديه بجميع أدواره يعتبر المشروع السياسي العملي لدعوة السلفيه في العصر الحديث على مدى أكثر من مائتي سنه مضت،
متمثلاً وعلى يد ولاة امرنا من ال سعود ابتداءً بالإمام محمد بن سعود رحمه الله وأبناؤه من بعده و من بعدهم بيعة علمائنا من السلفيين وعلى رأسهم الامام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله قامت هذه الدوله التي التقت فيها آية السيف بآية القلم و على هذا الأساس المتين الذي لا ينكسر ولا ينثلم ولا يحرّف ولا يضيع
نهض المشروع السياسي على اساس من الدعوة السلفيه و كان هذا الاساس اقوى من أي أساس آخر قامت عليه أي دولة سواء على أساس قومي أو أساس قبلي أوعلى أساس جغرافي أو على أساس اقتصادي ولسنا هنا بصدد شكل الحكم بل نحن بصدد أساس الحكم

فالشكل لا دخل له بالأساس اطلاقاً، فالشكل ربما يكون ملكياً او شوريّاً او استخلافياً إلى اخره من الاشكال أما الأساس فهو جوهر الدوله وذاتها الحقيقيه فمثلاً نجد أن الدول التي قامت على أساس قومي أو عرقي تعاني من كثرة الحروب و سرعان ما تفنى والتاريخ مليء بالشواهد على هذا فعندنا مثلاً دولة فارس وما تملكه من قدرات وجيوش قامت على أساس عرقي قومي وهي الفارسيه فاحتقرت الأمم التي حولها فكانت الهزيمه عند أول أو ثاني مواجهه حضارية عمليه قال صلى الله عليه وسلم (أما فارس فنطحة أو نطحتان) فكانت النطحة الأولى كماقال صلى الله عليه وسلم على يد سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية.

وكانت النطحة الثانيه في معركة المدائن وانهارت الفارسية.

وأما قيام الدوله على أساس قبلي فهي عرضة للانهيار وذلك للأساس المتقوقع التي قامت عليه وما دول أفريقيا عنا ببعيد، وعندما ننظر أيضاً إلى قيام الدولة على الاساس الجغرافي فأننا بصدد أساسٍ غير مستقر وذلك لعدم وضوحه على أرض الواقع فليس الناس على كلمة واحده في الرقعه التي تمثل بلدهم وإذا قررتهم على المؤكد من رقعة بلدهم لوجدتها مساحة صغيره ممايؤدي إلى تقزم الدوله وقلة الموارد وصيرورتها فريسة سهله لدول الكبيره وما دولة السودان عنا ببعيد،
فعندما انفصل الجنوب طالبت كردفان بالانفصال وطالبت دارفور بذلك وهذه نتيجة قيام الدوله على أساس جغرافي

وفي حالة أُخرى بناءً على الإساس الجغرافي فربما قامت الدوله قليلة الموارد أو الطامعه بإدعاء الاراضي التي بجوارها أنها لها ومن جغرافيتها فتنشب الحروب والفتن ،

وما أزمة الخليج في اعتداء صدام حسبن على الكويت عام ١٤١١هـ عنا ببعيد ،

وأما الدول أبتي تقوم على أساس اقتصادي فحدث عن عدم استقرارها ولاحرج ،وذلك لعدم استقرار أساسها فالاقتصاد مثله مثل أي ظاهرة اجتماعيه تكون بين مد وجزر وتمدد وإنهيار فهذا أساس لايصلح لهذا الأمر وأكبر دليل عليه الاتحاد السوفيتي فلما اختلت المنظومه الاشتراكيه ( الاقتصاد ) اختلت مباشرة المنظومه الشيوعيه وانهارت الرابطه وسقطت الدوله ولا ننسى الاتحاد الاوروبي وما يمر به من عوائق ليكون شبه دولة فضلاً عن دوله .

ولكن ماذا عن قيام الدوله على الأساس الديني ولا أقصد بذلك المبدأ الثيوقراطي
اليوناني أو اليهودي الكهنوتي لكن سنبين الفرق بين نظام الحكم على الأساس الديني وبين الثيوقراطيه في مقالة أُخرى بإذن الله

فالدين الذي يكون أساساً للمشروع السياسي لابد أن يكون ديناً صحيحاً ليكون أساساً صحيحاً فلو افترضنا جدلاً أن أفضل أساس في قيام الدوله هو الأساس الجغرافي فلابد أن تكون هذه الجغرافيه جغرافية أكيده صحيحه وأما غير ذلك فسيدخل الدولة الخلل وعدم الاستقرار ، فكذلك الدين لابد أن يكون صحيحاً ،
والقاعدة في الأديان الصحيحه أي التي من الله ان اللاحق ينسخ السابق
فالنصرانيه نسخت اليهوديه

قال الله في حق عيسى ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)
والإسلام ناسخ للنصرانية

قال الله تعالى ( ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ) وقال تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام )

فالإسلام هو الدين الصحيح

وكذلك لا أصح من السلفية في الاسلام فهي التي تدعو إلى الأخذ بالكتاب والسنه بفهم سلف الأمه بدون أي مؤثرات سلبيه كالرأي المقدم على النص إلى آخره
فالإسلام هو الدين الصحيح وأصحه السلفيه أي مذهب السلف

فإذا قام المشروع السياسي على أساس من السلفية كانت الدوله من اكثر الدول استقراراً وامناً وتماسكاً وما ذلك إلا انعكاساً لصورة الأساس على الدوله وسيرها فهي تستمد صفاتها من صفات أساسها أبتي قامت عليه فإن كان الأساس قوياً صحيحاً صارت الدولة قويه وصار لها أثر قوي

وبالنظر إلى الأساس السلفي في قيام الدوله نجد أنه يحرص على تماسك عناصر الدوله (الوطن) وترابطها من شعب ودار وسياده وجعلها في نظمٍ واحداً وجعل السياده من اهمها وهي الولاية العامه التي هي أصل من الأصول المهمه في الإسلام .
بإعتبار العنصر المحافظ على كيان الدوله.

ولنأخذ الدولة السعوديه انموذجاً للمشروع السياسي السلفي جد أنها قامت على أساسٍ ديني سلفي ولم تقم على أساسٍ قومي أو عرقي أو جغرافي أو اقتصادي،
فإذا كانت كثير من الجماعات الحزبيه تدندن على أنها تريد قيام مشروعها السياسي منذ أكثر من ثمانين سنه ولم تستطع إلى ذلك سبيلاً وكلما حظيت بفرصه أصيبت بانتكاسه فإن السلفيين يملكون مشروعهم السياسي في العصر الحديث منذ أكثر من مائتي سنه متمثلاً في الدوله السعوديه بجميع مراحلها
فما السبب في نجاحها في ذلك !

إن السبب واضح للعيان ولكل ذي لب وهو قيام الدوله على أساس ديني صحيح ألا وهي السلفيه التي دعى اليها الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وتلاميذه وأحفاده من بعده وحمى مشروعها السياسي الذي قام على أساسها الإمام محمد بن سعود رحمه الله تعالى وأبناؤه وأحفاده من بعده إلى يومنا هذا.

لقد اتخذت السلفيه مبدأ تفسير الإسلام لسياسه منهجاً بدلاً من اتخاذ مبدأ التفسير السياسي للإسلام منهجاً الذي يجعل مدار الدين والرسالة النبوية على السياسة مما يسبب خلل عظيم في الرؤيه وانحراف خطير وهو ما وقعت فيه كثير من الجماعات الحزبيه السياسيه في هذا الزمان فالرسالة النبويه عامة لدنيا بجميع نواحيها والرسالة النبوية هي التي تفسر هذه النواحي وليست هذه النواحي تفسرها سواء سياسيه أو اقتصاديه أو اجتماعيه.

وكذلك تشمل الرساله النبويه الدار الآخره .

إن أهم مؤشر يدل على قوة الدوله هو أن يتطابق المشروع السياسي (الدوله)مع أساسه الذي قام عليه،

ويكون ذلك بسعي واتجاه المشروع السياسي لتحقيق الاهداف الرئيسيه للأساس سعياً صحيحاً فنجد أنّ الدوله السعوديه في جميع مراحلها اهتمت بالتوحيد ومحاربة مظاهر الشرك ومصادره وهو أهم أهداف الأساس وأوّلها ، ومن ثمار تحقيق هذا الهدف على يد المشروع السياسي وهو علامه من العلامات الحسيه الظاهره في الدولة السعوديه أنّه لا يوجد ضريح واحد يعبد من دون الله على مساحة تقدر بأكثر من مليوني كيلو متر مربع ، ولا تظهر السعوديه راعية لأي نشاط بدعي أو شركي وهذا واضح في عموم سيرتها ، في جميع الأدوار بل المعروف عنها خلاف ذلك

ولا يدخل في هذا اعتبار ممارسة بعض أخل البدع بدعهم من الذين يعيشون على أرضها أنّه إقرار منها فهذا يخالف الأصل الذي قامت عليه الدوله فيعتبر في مبدأه تصرف شخصي منهم لا تقره الدوله ولا ترعاه بل تكفاحه بجميع وسائل المكافحه من توعية ونشر لتوحيد وإظهار الرد عليهم عن طريق العلماء وعن طريق القنوات الرسميه كوزارة الشؤون الاسلاميه ، فهي في ذلك تتخذ من دولة النبوة والخلافة الراشده قدوة فقد كان فيها المنافق والذمي ومن يُنزّل منزلتهما من أهل البدع أو الأديان الاخرى.

فتكون المعامله كما عامل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده المنافقين وأهل الكتاب لهم حقوق لاتنكر وعليهم واجبات لاتغفل.

و من مظاهر تطابق الأساس مع المشروع السياسي اتخاذ الدوله الشريعه الاسلاميه وهي الكتاب والسنه بفهم سلف الامه (دستوراً) لها بمعنى أنها جعلت (الدستور) ثابت ومن الله جل وعلا ومن محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى مما يجعله يملك صفة إلزاميه التطبيق ويكون العمل به خارج نطاق الأخذ والرد وخارج ما يدعوا إليه البعض من الجهال من التصويت على الشريعه الإسلاميه وأولها إقامة الحدود واللعب بأمر ومبدأ وأصل البيعه والولاية العامه.

وجعله عرضة للأخذ والرد في شخص الإمام، فهذا الرئيس يبقى وهذا الرئيس يذهب مما يؤدي إلى التنازع والفتن وتوقف عجلة التنميه إن الناظر في هذا الأمر يجد أن الدوله التي قامت على أساس سلفي تمتلك تغذية متبادله بين الأساس وبين مشروعها السياسي

وذلك يكمن في كون السلفيه جعلت من الحفاظ على المشروع السياسي هدفاً من أهم أهدافها وكذلك المشروع السياسي جعل أهم أهدافه هو الحفاظ على السلفيه .

إنّ هذا التناسق وهذه القوه في البناء السياسي السلفي يؤدي إلى وضوح المبادئ والأهداف وبالتالي تتجلى الرؤيا الصحيحه لدوله لتحقيق أهداف الأساس ألذي قامت عليه وهي إقامة الدين وسياسة الدنيا به ،وليس معنى ما سبق أنّ السلفية لا تتعامل إلا مع الدوله التي تقوم على أساس سلفي ،

بل هي خير من يتعامل مع الدول التي يعيش السلفيون فيها سواء دولة مسلمه ليست بسلفيه أو حتى الدول غير المسلمه فلكل مقام مقال لكن فعالية السلفيه مع الدوله السلفيه أفضل بكثير من كون الدوله غير سلفيه فضلاً عن غير المسلمه .

اسأل الله ان يعلي منهج السلف ففيه النجاة والفلاح

ا.هـ

كتبه اخوكم
عبدالله محمد عبدالله الشبانات
في يوم الاثنين
الموافق ١٤٣٨/٥/١٦هـ