الزلازل بين التفسير العلمي والتفسير الشرعي


الزلازل بين التفسير العلمي والتفسير الشرعي

أما بعد: أيها المسلمون : لا شك أن ما حصل من الزلازل في هذه الأيام في جهات كثيرة هو من جملة الآيات التي يخوف الله بها سبحانه عباده(وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا) . وكل ما يحدث في الوجود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويسبب لهم أنواعا من الأذى ، كله بأسباب الشرك والمعاصي ، كما قال الله عز وجل : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وقال تعالى : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وقال تعالى عن الأمم الماضية : فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .

إنها آية من آيات الله العظيمة ونذير من نذره المبينة أن يصيب الزلزال ستة دول أو أكثر وعلى بعد الاف الكيلومترات من نقطة وقوعة في وسط البحر لتتحرك على اثره أمواج كالجبال بسرعة تقطع فيها الاف الاميال لايقف في طريقها شيء تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لايرى الا مساكنهم . لتحط رحالها على شواطيءٍ يتبطح فيها العراة وتُتعاطى فيها المخدرات ، وحانات تدار فيها الكؤوس ومراقصٍ تترنح فيها الرؤوس . السواح قدموا من الشرق والغرب ليحتفلوا بأعياد الكريسمس ورأس السنة جاؤوا ليعلنوا فيها عقيدتهم ويظهروا فيها فريتهم : أن الله ثالث ثلاثة ، وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ( لقد جئتم شيئا إدّاً ، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا ). ان المشاهد لتلك البنايات الشاهقة وقد تهدمت والى تلك الجثث والاشلاء وقد تناثرت فانه يقرأ من خلالها قوله تعالى (ان بطش ربك لشديد) (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد)(كم تركوا من جنات وعيون ،وزروع ومقام كريم ، ونَعْمَةٍ كانوا فيها فاكهين ، كذلك وأورثناها قوما اخرين ، فما بكت عليهم السماء والارض وماكانوا منظرين )الدخان29 . ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحًى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون }. وفي “الصحيحين” عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلتْه)) قال: ثمّ قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد}. وقال سبحانه وتعالى: { أفأمنتم أن يخْسف بكم جانب البرّ أو يرسل عليكم حاصبًا ثمّ لا تجدوا لكم وكيلاً * أمْ أمنتم أن يعيدكم فيه تارةً أخرى فيرسل عليكم قاصفًا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثمّ لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا }. وقال سبحانه وتعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميرًا} . قص الله سبحانه وتعالى علينا في هؤلاء الآيات شأن المكذّبين بالرسل، وما فعل الله بهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. وفي “الصحيحين” عن جابر رضي الله عنه قال: لمّا نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم} قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أعوذ {أو يلبسكم شيعًا ويذيق بوجهك))، قال: {أو من تحت أرجلكم} قال: ((أعوذ بوجهك))، بعضكم بأس بعض} قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((هذا أهون أو هذا أيسر)). فإن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم فيما يقضيه ويقدره ، كما أنه حكيم عليم فيما شرعه وأمر به وهو سبحانه يخلق ما يشاء من الآيات ، ويقدرها تخويفا لعباده وتذكيرا لهم بما يجب عليهم من حقه وتحذيرا لهم من الشرك به ومخالفة أمره وارتكاب نهيه كما قال الله سبحانه : وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا وقال عز وجل : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقال العلامة ابن القيم – رحمه الله – ما نصه : (وقد يأذن الله سبحانه للأرض في بعض الأحيان بالتنفس فتحدث فيها الزلازل العظام ، فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية ، والإنابة والإقلاع عن المعاصي والتضرع إلى الله سبحانه ، والندم كما قال بعض السلف ، وقد زلزلت الأرض : (إن ربكم يستعتبكم) . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد زلزلت المدينة ، فخطبهم ووعظهم . ، وقال : (لئن عادت لا أساكنكم فيها) انتهى كلامه رحمه الله . والآثار في هذا المقام عن السلف كثيرة . وفيما حصل من هذه الكوارث دروس وعبر : أولاً : عظيم قدرة الله وشدة بطشه وانتقامه …قال تعالى {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد}. وقال سبحانه وتعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم وكانوا أشدّ منهم قوّة وما كان الله ليعجزه من شيء في السّموات ولا في الأرض إنّه كان عليمًا قديرًا * } . ثانياً : أن العذاب اذا حل فانه يعم الصالح والفاسد : قال تعالى : (واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) .
ثالثاً : الاعتبار والاتعاظ بما حصل لهم ولغيرهم من الامم السابقة : قال تعالى (وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الامثال ) وقال عن قوم لوط : (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود @ مسومة عند ربك وماهي من الظالمين ببعيد ) هود82 . وقال تعالى : (إن في ذلك لآيات للمتوسمين @ وإنها لبسبيل مقيم @ إن في ذلك لأية للمؤمنين)الحجر78 . وقال تعالى : (إن في ذلك لأية وماكان أكثرهم مؤمنين @ وان ربك لهو العزيز الرحيم )الشعراء8. وقال تعالى : (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين @ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ان في ذلك لأية لقوم يعلمون )النمل52 . وقال تعالى : (وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم)الذاريات39 . رابعا : ان من رحمة الله بنا ان جعل الارض ثابتة مستقرة لا تضطرب وأرساها بالجبال، حتى نتمكن من البناء عليها والعيش على ظهرها، وفي بعض الأحيان، يجعل الله عز وجل هذه الأرض، جنداً من جنوده، فتتحرك وتميد وتحصل الزلازل المدمرة، تخويفاً للعباد، وتأديباً للبعض الآخر، وقد رأينا أحوال من مادت بهم الارض وكيف صار حالهم وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر قال تعالى : (: وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ [الأعراف:10]، وقال: هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ [الملك:15]، والآيات في هذا كثيرة) خامساً : أن كثرة الزلازل من علامات الساعة : قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ويتقارب الزمان وتكثر الزلازل وتظهر الفتن ويكثر الهرج)). قيل الهرج؟؟ قال: ((القتل القتل)) . سادسا : الحذر من نسبة هذه الكوارث الى الطبيعة كما يسميها بعضهم (غضب الطبيعة ) ويقول بعض المتحذلقين من الجغرافيين والطبائعيين : هذه الزلازل ظواهر طبيعية. لها أسباب معروفة. لا علاقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم كما يجرى ذلك على ألسنة بعض الصحفيين والإعلاميين. حتى صار الناس لا يخافون عند حدوثها، ولا يعتبرون بها. كما يقول أشباههم من قبل عندما تصيبهم الكوارث والنكبات: قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا ٱلضَّرَّاء وَٱلسَّرَّاء [الأعراف:95]، فيعتبرون ذلك حالة طبيعية وليست عقوبات لهم فيستمرون على غيهم وبغيهم، ولا يتوبون من ذنوبهم. والاعجب من هذا من يجعل هذه الزلازل علامة على العدل والقسط يتملق بها وهذا حال الشعراء المتملقين كما يُروى عن بعضهم عندما أصاب مصر الزلزال قال : مازُلزلت مصر من ضر ألم بها ………………. ولكنها رقصت من عدلكم طرباً. (معجم البلدان) قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله : ونحن لا ننكر أن يكون لها أسباب حسية ولكن من الذي أوجد هذه الأسباب الحسية ؟؟ إن الأسباب الحسية لا تكون إلا بأمر الله عز وجل ، والله بحكمته جعل لكل شي سببا إما سبباً شرعي وإما سبباً حسياً هكذا جرت سنه الله عز وجل وإن المصائب التي تصيب الخلق من هذه الزلازل إنها بما كسبت أيديهم. (خطبة هذا نذير ـ موقع الشيخ). سابعا: ولا تزال العبر تتجدّد والحوادث تتكرر منذ خلق الله سبحانه وتعالى الأرض إلى زمننا هذا. وفي هؤلاء الآيات التهديد الأكيد، والوعيد الشديد لمن أعرض عن ما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم

ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة 19/11/1425 هـ في جامع الاميرة حصة السديري الرياض / حي المعذر الشمالي.

محمد بن أحمد الفيفي
عضو هيئة التدريس
جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية