الرجل الذي لو أقسم على الله لأبره


الرجل الذي لو أقسم على الله لأبره

لماذا أخبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن هذا الرجل؟ إن ذلك من وحي السماء الذي أوتي به النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

إني أتحدث في هذا المقال عن واحدة من المحاسن التي جاء بها الإسلام وأتناولها من الناحية الإنسانية والاجتماعية فقط. وبعرض بسيط جداً فهذا الخبر من المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إن أدركت رجلاً من أهل اليمن يقال له أويس بن عامر من مراد ثم من قرن كان به برص فدعا الله فبرئ إلاّ موضع درهم وله أُم هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل.

ولقد أدرك عمر هذا الرجل وأخبره بما قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يستغفر له ففعل.

انظر إلى فضل هذا التابعي الذي استغفر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، لماذا؟ لأنه بار بأمه، ولهذا البر علامات خير ظهرت في الدنيا منها استجابة الدعوة لهذا الرجل وبرئ من البرص وأخبر به، ووفق في حياته، فهو من خيرة التابعين وبقيت له سيرة عطرة إلى يوم القيامة والسبب بره بوالدته والعطف عليها.

وهذا أنموذج للتطبيق العملي والجزاء في الوقت نفسه، فالآيات والأحاديث كثيرة حول بر الوالدين، وهذا التميُّز الذي تميّز به الإسلام من المذاهب الأخرى هو الترابط الأُسري والتكامل بين أفراده؛ لخلق مجتمع يتمتع بالصحة النفسية السوية وينعم بالعدل ورد الجميل، وأنّ هذه التوجيهات لها أثر ملموس في المجتمع المسلم.

ولكن الملاحظ أنّ الاهتمام بها يقل كلما قلّ الاهتمام باتباع التوجيهات الإسلامية، وإذا انعدم إدراك مدلولات تلك التوجيهات افتقد تطبيقها على أرض الواقع؛ لأنّ الإسلام دين عقيدة وعمل؛ أي امتثال وتطبيق، فلا تكون نية من دون صلاة ولا إقرار بالزكاة والإيمان بها من دون إخراجها، وكذلك الحج وبقية الواجبات الإسلامية.

إلاّ أننا نلاحظ في الآونة الأخيرة ترك الوالدين عند الكبر وحدهما والاكتفاء بالمرور عليهما والاتصال بهما. على الرغم من أنّ الوحدة لها جانب سلبي قوي من الناحية النفسية، فالإنسان عند الكبر تبدأ عنده مشاعر الخوف والعجز فيكون فريسة سهلة للوسوسة والأمراض المفتعلة التي تتحوّل إلى أمراض حقيقية، فهو في حاجة إلى من يقف بجانبه، ويكون قريباً منه ويسمع أخباره ويبث إليه همومه وما يدور في خاطره من ذكريات الماضي وأنس الحياة ويشعره بأنّ الدنيا مليئة بالخير والسعادة ويساعده على الاستفادة من الوقت في أداء الصلوات والزيارات والاجتماعات.

ولكن مع الأسف الشديد أنّ بعض الشباب في الوقت الحاضر ظهر على الدنيا من دون معرفة جيدة بحقوق الوالدين، وهذا خطأ في التربية، فهم يتصرفون كيفما يتمتعون مع زوجاتهم وأطفالهم في عالم بعيد عن الاهتمام بالوالدين، ولربما بعضهم فضّل رأي زوجته واهتم بها أكثر من سماعه واهتمامه بوالديه. فلو جمعت الآيات التي أوصى بها الله سبحانه وتعالى لبر الوالدين وكذلك الأحاديث الشريفة، لضاقت بها صفحات الكتب، فلماذا هذا التهاون؟ إنّه البعد عن سماع التوجيهات والبعد عن تطبيقها والبعد عن إدراك مدلولاتها وقصر النظر عن معرفة أهميتها الدينية والدنيوية.

وأختتم مقالي هذا بقصة الرجل الذي يطوف بالكعبة حاملاً أُمه على كتفه فسأل ابن عمر؛ حمَلْتُها أكثر مما حملتني فهل أدّيت حقها عليَّ؟ فقال له ولا زفرة من زفراتها. فهذا الرجل مجتهد في بر والدته، ولكن الصحابي الجليل ابن عمر أقسم فقال: والذي نفسي بيده ولا زفرة من زفراتها؛ أي لا يساوي هذا التعب زفرة واحدة من زفراتها في ساعة الولادة؛ لأنها هي التي سهرت لينام وجاعت ليشبع ورعته بحنانها وعطفها.

إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت لسقمـك إلا شاكـيـاً أتململُ

أسأل الله القدير أن يرزقنا بر الوالدين والدعاء لهما.

د. سليمان بن محسن العريني

جامعة الأمير سلطان