الحق لا يُعرف بالرجال !


إن الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق ، وقد ابتلينا بالغلو والمبالغة في تقديس الأشخاص ، وإن كان كثير من هؤلاء الذين يقدسون لا يستحقون عشر معشار ذلك التقديس .

وتقديس الأشخاص أمر معروف عند المبتدعة ؛ لأن العلم عندهم لا يعرفونه بأخذه من مظانه ومن أهله ، وإنما العلم عندهم ما يقوله زعماؤهم وحتى وإنخالف الحق . ولذا تجده يأخذ قول زيد وعمرو مسلمًا ، ولو خالف هدي الكتاب والسنة صراحة !

نعم ، يجب أن نعظم العلماء ، وأن نوقرهم ، وأن نعطيهم حقوقهم ، وأن نعرِف لهم فضلهم ، وأن ندعو لهم ، وأن نترحم عليهم ، وأن نجتهد في التلقي عنهم –كما بينا – . ولكن لا نغلو في أحد ؛ لأننا ابتلينا منذ انحراف الناس عن منهج الحق في القرون الأولى ، عندما ظهرت الفرق والجماعات المتعددة ، منذ أن تألب الخوارج على عثمان – رضي الله عنه – وإلى يومنا هذا ؛ ابتلينا بأقوام في كل عصر وفي كل مصر ، لا يعدو الدين عندهم تقديس الأشخاص .

فالقول عندهم ما يقوله زعماؤهم ، ولو كان مخالفًا للدين جملة وتفصيلاً .

ولذلك نجد الكثير منهم لو بينت له خطأَ مؤلف في كتاب وزلته – التي ربما كانت بدعة منكرة أو إلحادًا ، وربما كانت طريقًا إلى الكفر – لو بينت له هذا الخطأَ ؛ تقوم قيامته ، لكن لو قلت الصحابي فلان : أخطأ ، والعالم الفلاني من علماء الأمة أخطأ في هذه المسألة والصواب كذا ، تجده ؛ بل لو نيل من الصحابة ، أو لو غمز زعيمه الذي يتعصب له صحابيًا من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؛ فإنه لا يحرك ساكنًا ؛ بل الأمر عنده هين ، إنما لو قلت : الكاتب الفلاني أخطا في كتابه كذا ؛ فقد تقوم عليك القيامة ! وتجدهم يرمونك عن قوسواحدة !

حتى لو قلت : إن هذا الفلاني يقول عن الصحابي فلان كذا .

فلان يقول عن عثمان كذا …

فلان يقول عن معاويةَ – رضي الله عنه – كذا …

فلان يقول عن عمر بن الخطاب كذا …

فلان يقول عن الصحابي الفلاني كذا وكذا …

أنت عندما تذكر هذا القول معترضًا ، تصبح أنت محل الاعتراض ، وتصبح محل النقد ، وربما أُوذيت من أجل هذا الأمر .

فالحق قاعدة السلف : [ أن الحق لا يعرف بالرجال وإنما الرجال هم الذين يعرفون بالحق ] .

بمعنى : أن نبتعد عن الغلو في الأشخاص ؛ لأن الغلو هو أول معاوِل هدم الدين ، منذ قوم نوح إلى يومنا هذا .

فالغلو في غاية من الخطورة .

محاضرة : [ منهج السلف أسلم وأعلم وأحكم ]