الاختلافات في صفوف الحزبية سلمان العودة وناصر العمر أنموذجاً رقم1


الاختلافات في صفوف الحزبية سلمان العودة وناصر العمر أنموذجاً رقم1

بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته …… أما بعد ،،،
فإن الخلاف والاختلاف شرعاً عند أهل السنة – يا أهل السنة – نوعان :
النوع الأول/ خطأ لا يسوغ الخلاف فيه .
النوع الثاني/ خطأ يسوغ الخلاف فيه .
وضابط الأول : ما خالف إجماعاً أو صادم النص ( والمراد من كل وجه وهو نسبي لذا يعتمد على ضابط ما خالف إجماعاً )
وضابط الثاني: ما لم يخالف إجماعاً ولم يصادم نصاً ، كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الدليل على بطلان التحليل (ص145) حيث قال: وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل؛ أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة , أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً , وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه – ثم قال – وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً , أو مقلداً , وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ا.هـ
وانظر أعلام الموقعين لابن القيم (3/288) والآداب الشرعية لابن مفلح (1/199)
ثم الأخطاء الواقعة من المسلم من جهة العداوة والبغضاء قسمان :
قسم يوجب العداوة والبغضاء بأن يبدع صاحبه، وقسم ليس كذلك . ويتضح هذا في تأصيل الإمام الشافعي لما قال عن القسم الأول : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال:هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام . (جامع بيان العلم وفضله (2 / 193)) ، وفي القسم الثاني قال يونس ناظرت الشافعي يوماً في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال لي يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة .( تاريخ دمشق – (51 / 302)
ومن المهم أن يعلم أنه ليس كل من وقع في خطأ لا يسوغ الخلاف فيه لزم من ذلك أن يبدع أو يضلل وهذا بإجماع السلف ومنه أن السلف لم يضللوا القاضي شريحاً مع أنه أنكر صفة لله وقراءة متواترة ، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (12 / 492): وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ : ( بل عجبتُ ) ويقول : إن الله لا يعجب ؛ فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال : إنما شريح شاعر يعجبه علمه . كان عبد الله أفقه منه فكان يقول : (بل عجبتُ ) فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ا.هـ
وإنما يبدع في إحدى حالات ثلاث :
الحالة الأولى/ إذا خالف أهل السنة في خطأ كلي ، والمراد بالكلي ما تحته جزئيات كتأويل الصفات عموماً أو الصفات الفعلية، أو عدم الدعوة إلى التوحيد لئلا يفرق الصف، أو عدم إنكار المنكر لئلا ينفر المدعو ، أو عدم عداء أهل البدع بزعم وحدة المسلمين وهكذا …
الحالة الثانية/ إذا خالف في جزئيات كثيرة مختلفة توافق وتعادل كلياً .
وقد نص على هذين الضابطين الشاطبي في الاعتصام فقال (2/712): وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية، لأن الكليات تقتضي عدداً من الجزئيات غير قليل، وشاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب … – ثم قال: – ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات ا.هـ
الحالة الثالثة/ أن يخالف أهل السنة فيما اشتهر الخلاف فيه بين أهل السنة وأهل البدعة كالقول بالخروج على السلطان الفاسق وعدم بيعته أو التكفير بالكبيرة ، ويستفاد هذا التأصيل من صنيع الإمام سفيان الثوري والإمام أحمد لما ضللوا الحسن بن صالح بن حي لأنه يرى السيف على الحاكم الفاسق كما تجد كلامهم في ترجمته في تهذيب التهذيب وفي طبقات الحنابلة، ويستفاد هذا التأصيل أيضاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لما قال في مجموع الفتاوى (35/414): والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة ا.هـ
وليعلم أن طريقة السلف في التبديع خلاف طريقتهم في التكفير فإنه في تبديع من يستحق البدعة لا يجعلون الجهل مانعاً ، ففي عقيدة الرازيين أبي حاتم وأبي زرعة التي نقلوها عن أئمة السنة: ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة – ثم قال – ومن وقف في القرآن جاهلاً علّم وبدع ولم يكفر ا.هـ (اعتقاد أهل السنة (1 / 178))، فلم يجعلوا الجهل مانعاً من التبديع بخلاف التكفير ، ويدل عليه صنيع أئمة أهل السنة في تبديعهم لعوام الفرق المبتدعة كالصوفية مع جهلهم وعدم إقامة الحجة عليهم، وليس لنا الخروج عن سبيل المؤمنين .
تنبيه / كلام الرازيين في التبديع مع الجهل لا مع العلم لأنه لو علم وأصر على القول بأنه مخلوق لكفر كفراً ينقل من الملة كما بينه في سابق كلامه ولما اكتفي بتبديعه إذاً يكون التبديع مع الجهل أما من علم أنه غير مخلوق وقال مخلوق فيكفر .

وقد ضل في باب التبديع طائفتان إحداهما غالية والأخرى جافية ،
أما الطائفة الأولى الغالية فهم الحدادية الذين غلوا في هذا الباب من جهتين :
الجهة الأولى/ بدعوا بالجزئيات .
الجهة الثانية/ غلوا في فهم آثار السلف ولم يخضعوها للقاعدة العظيمة التي هي أصل من أصول الدين وهي أن دين الله قائم على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها .
قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20 / 48): وقد كتبت ما يشبه هذا في ” قاعدة الإمارة والخلافة ” وفي أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ا.هـ

ومما يخضع لهذه القاعدة العظيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يتفرع عنه الرد على المخالف من أهل البدع ، ومن أمارات كثير من الحدادية تبديعهم لناصر السنة وقامع البدعة الإمام ناصر الدين الألباني – رحمه الله –
وأحد هؤلاء الحدادية ابتدع قولاً جديداً في مسألة العذر بالجهل لم يسبقه إليه إلا المعتزلة الضلال ، وهو القول بأن العقل والفطرة كافية في إقامة الحجة وأنه لا فائدة من إرسال الرسل لإقامة الحجة على الناس في دنياهم !! ثم لم يقف عند إحداث هذا القول بل بدع كل من يخالفه، وله تأصيل في تكفير كل من يخالفه ، ثم زعم جهلاً وعدواناً أن أئمة الدعوة النجدية السلفية – أنصار التوحيد والسنة – على قوله -هذا الاعتزالي- وحاشاهم ، فهم مجمعون على إعذار حديث العهد بالإسلام خلافاً للمعتزلة ومن تأثر بهم في هذه المسألة كهذا المشار إليه، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن تيمية في مجموع الفتاوى (11/407) فقال: وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات ، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة ، فلا يعلم كثيراً مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك ، ومثل هذا لا يكفر ، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان ، وكان حديث العهد بالإسلام ، فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول ا .هـ وقد بينت ضلاله وغلوه في شرحي على مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

http://islamancient.com/lectures,item,830.html

ومن مبالغاته في هذا الباب أنه يكفر كل تبليغي سعودي أو غير سعودي بمجرد كونه تبليغياً ، ولا شك أنهم مبتدعة كما قرر ذلك علماؤنا وفي مقدمهم الإمامان عبدالعزيز بن باز ومحمد ناصر الدين الألباني – رحمهما الله – لكن التبديع شيء والتكفير شيء آخر .
وكم حاول هذا المشار إليه التلبيس على الناس بأن فلاناً وفلاناً سلفه من أهل العلم ممن لا يعذرون بالجهل، وهذا التلبيس مكشوف على من أراد الله له الهداية ، وذلك أنه لا أحد من علمائنا ممن لا يعذر بالجهل يقرر أمرين فاسدين مما يقرره هذا المشار إليه :
الأمر الأول : أن العقل والفطرة كافيان في إقامة الحجة .
الأمر الثاني: أن الخلاف في المسألة مع الذي يعذر من الخلاف الذي لا يسوغ الخلاف فيه فيبدع المخالف القائل بالعذر، بل الذي قررته من كلام أهل العلم كما في شرحي على مفيد المستفيد أنهم جميعاً متفقون على أصل الإعذار بالجهل لكنهم متفاوتون في تقدير هذا الإعذار .

أما الطائفة الثانية الجافية وهم الحزبيون فقد أذابوا البدعة وعداوة المبتدعة في بوتقة الحزبية فمدوا جسور الإخاء مع سبابة الصحابة كسيد قطب ، وكم تغافلوا وتعاموا عن ضلالات أصحابهم -أصحاب الضلالات المهلكات- من مناصرة الرافضة وتهوين الخلاف معهم ومع غلاة الصوفية ومع الليبرالية والعلمانية وهكذا …
فتركوا نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه كل من كان من حزبهم وكأنهم لا يخشون حلول اللعنة بهم كما قال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )
وكلا هاتين الطائفتين الغالية والجافية ضالتان وعن الصراط خارجتان .

أما أهل السنة السلفيون فهم وسط بين هاتين الطائفتين الضالتين بلا غلو ولا جفاء ، فقد جعلوا الحب في الله والبغض في الله من أعظم سماتهم ، وليس عندهم مجاملات في هذا الباب لأن المراد عبادة الله وإرضاؤه ، فإن كانت عبادته وإرضاؤه تستلزم بغض فلان والتحذير منه فعلوا وإلا فلا ، فليسوا كاليهود الذين قال الله فيهم: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ) .
وليسوا أهل فرقة واختلاف يتنازعون فيما لا يسوغ الخلاف فيه ، وهذا مما يوضح سبب بعض الخلاف الذي يحصل بينهم ويعيبه عليهم أهل التحزب من الحزبيين ، وإن كان يوجد في أفراد السلفيين من يخطئ في تطبيق هذه الأصول فليسوا معصومين ، فقد يعادي من لا يستحق العداء ويبدع من ليس كذلك ، وقد لا يعادي من يستحق العداء ولا يبدع من يستحق التبديع .
وقد أدخل بعضهم في المنهج السلفي أصلين دخيلين فاسدين بالإجماع :
الأصل الأول/ جعل الخلاف دليلاً في إسقاط الدليل ورد الحجة ، فبعضهم إذا دعي إلى تبديع من يستحق التبديع بالأدلة والبراهين تعذر عن ذلك بمجرد أن فيه خلافاً ، وهذا مخالف لإجماع أهل العلم كما قرره ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله (2/910) وابن تيمية في رفع الملام (ص56) ، بل بالغ بعضهم وتعدى وجعل من بدع بحجة من الغلاة والجراحين وهو ليس عنده في إسقاط هذا التبديع إلا مجرد أن في تبديعه خلافاً.
الأصل الثاني/ إلزام الناس بالتقليد في مسائل التبديع ( في مسائل المنهج ) لفلان أو علان ، والتقليد في أصله محرم وإلزام من لديه حجة بالعمل بالتقليد لا يجوز بالإجماع كما حكاه الشافعي وغيره لما قال أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان ا.هـ بل الإلزام بتقليد رجل ولاء وبراء وحباً وبغضاً من البدع المهلكة قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3 / 347): بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة – كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك – كان من أهل البدع والضلال والتفرق ا.هـ
فيا لله العجب كان بالأمس من أعظم ما تميزت به الدعوة السلفية محاربة التقليد والتعصب المذهبي كتقليد الأئمة الكبار كالإمام مالك والشافعي وأحمد ، واليوم تغير الحال عند بعضهم فصاروا يلزمون الناس بتقليد فلان أو علان في تبديع زيد أو عمرو .
وعلاج هذه الأخطاء الدخيلة على الدعوة السلفية بالعلم لإصلاح من واقعه وسبب خطئه الجهل ، والدين والتقوى لإصلاح من دافعه وسبب خطئه البغي والظلم .

فالله الله بالتآلف وإحسان الظن والتثبت واحتمال الزلة من السلفيين والتناصح فالدين النصيحة .
وللحديث بقية وإتمام في المقال القادم وفيه تفصيل الكلام على زيارة سلمان العودة لناصر العمر .

عبدالعزيز بن ريس الريس
المشرف على موقع الإسلام العتيق
http://islamancient.com
20 / 11 / 1431هـ