الأمن في الأوطان مطلب كل مصلحٍ إنسان


بسم الله الرحمن الرحيم

وبه أستعين

الأمن في الأوطان مطلب كل مصلحٍ إنسان

إن الحمد لله؛ نحمده، و نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[. [آل عمران: 102].

]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[. [ النساء: 1].

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُـمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَـازَ فَوْزاً عَظِيماً[. [الأحزاب:70-71].

أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد e، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

يقول الله تعالى: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[. [النور: 55].

في هذه الآية، يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين ـ وله المنة والفضل ـ بأن وعدهم ـ ووعده حق ـ بالاستخلاف في الأرض، وضمان الأمن لهم؛ فقط يعبدونه سبحانه لا يشركون به شيئاً.

فعُلِم أن الأمن والاستقرار مطلب كل إنسان على هذه البسيطة، وهو من ضرورات الحياة، إذ بدونه تختل الموازين، وتضطرب أحوال البشر، فيعيشون في خوف وذُعر وتشرد بحثاً عن الأمن كي تستقر حياتهم، فبالأمن يسعون الناس وراء أرزاقهم، و من خلال الأمن يعبدوا الله على بصيرة وهدى.

ولأهمية الأمن في الحياة قرنه الله تعالى بالعبادة تارة.

فقال تعالى: ]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ[. [إبراهيم: 35].

وقرن سبحانه وتعالى الأمن بالرزق تارة

فقال سبحانه:

]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[.

[البقرة: 126].

قال الرازي في “التفسير الكبير” (4/49):

“المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله ]آمناً[ من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل.

والدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين كان ذلك من أعظم أركان الدين فإذا كان البلد ]آمناً[ وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك.

والله سبحانه و تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة، و لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة”. انتهى.

والخليل عليه السلام لما سأل ربه الأمن:

“سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً ثم سأله الرزق ثانياً ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية: ]رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ[، وقال في آية أخرى: ]رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً[، ثم قال في آخر القصة: ]رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ[. إلى قوله: ]وَارْزُقْهُمْ مّنَ الثَّمَراتِ[“.

“التفسير الكبير” (4/50) للرازي.

وقال تعالى:

] فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ [.

] أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ [ امتنّ اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة على قريش بأنه جعل لهم ]حرمًا آمنًا[ يعني حرم مكة فهم آمنون فيه على أموالهم ودمائهم والناس الخارجون عن الحرم يتخطفون قتلاً وأسرًا

وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيّنًا في آيات أُخر كقوله تعالى في [القصص]: ]وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً[، وقوله تعالى: ]وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً[، وقوله تعالى:]جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لّلنَّاسِ[، وقوله تعالى: ]فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ[ ] وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [. [ أضواء البيان 9/112].

وبالأمن يطمئن الناس في سيرهم وسفرهم بسبب أمن الطريق

قال تعالى:

]وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ [. [سبأ: 18].

وما أجمل ما قاله شيخنا العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ـ حفظه الله ـ في خطبة جمعة ألقاها في الثلاثين من الشهر السادس سنة ستاً وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية في جامع التوحيد بمحافظة الطائف بحي الملك فهد، و لفرادتها وبلاغتها أنقل منها ما يتعلق بموضوعنا فيقول ـ حفظه الله ـ:

” واعلموا أن الأمن والاستقرار من أكبر نعم الله على عباده والأمن والاستقرار أمنيت كل الناس وكل الدول تبحث عن الأمن والاستقرار، وتجند القوات والجنود والأسلحة لأجل توفير الأمن والاستقرار لأنهما من ضروريات الحياة.

فإن الله سبحانه وتعالى أخبر عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، انه لما دعا لأهل مكة قال عليه الصلاة والسلام: ]رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[.

فقدم طلب الأمن على طلب الرزق، لأن الناس لا يتلذذون بالرزق، ولا يستقرون ،بل لا يتمكنون من تحصيل الرزق إلا مع توفر الأمن، ولهذا جاء في الحديث:

(مَنْ أصبحَ منكم آمناً في سِربِه مُعافىً في جسدِه عندَه قوتُ يومِه فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها).

ـ أخرجه: الترمذي (2346)، وابن ماجه (4141)، وحسنه الألباني ثمّ، وفي “صحيح الجامع” (6042)، و “السلسلة الصحيحة” (2318) ـ ‌

فالأمن من أعظم ضروريات الحياة، ولا يتوفر الأمن بالقوة، أو بالأسلحة، أو بالأموال، أو بكثرة الاستعدادات، وإنما يتوفر الأمن بالأسباب التي جعلها الله جالبة له.

فأول هذه الأسباب وأعظمها:

توحيد الله جل وعلا وعبادته ، وترك عبادة ماسوا ه.

قال تعالى: (الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ).

وقال سبحانه وتعالى: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[. [النور: 55].

وقال تعالى :

]وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ_ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [.

[الحج: 40ـ41]. انتهى.

ولقد امتن الله تعالى على قريش أن أمَّنَ لهم السبل، ووفر لهم الطعام بعد جوع.

“قال تعالى: ]فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ[ وقوله تعالى: ]الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خوْفٍ[ بمثابة التعليل لموجب أمرهم بالعبادة لأنه سبحانه الذي هيأ لهم هاتين الرحلتين اللتين كانتا سبباً في تلك النعم عليهم فكان من واجبهم أن يشكروه على نعمه ويعبدوه وحده.

وفي قوله تعالى ]فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خوْفٍ[ ربط بين النعمة وموجبها كالربط بين السبب والمسبب، ففيه بيان لموجب عبادة الله تعالى وحده وحقه في ذلك على عباده جميعاً وليس خاصاً بقريش.

وهذا الحق قرره أول لفظ في القرآن وأول نداء في المصحف.

قال تعالى ]الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ كأنه يقول: هو سبحانه مستحق للحمد لأنه رب العالمين أي خالقهم ورازقهم وراحمهم إلى آخره”. [أضواء البيان: 9/111].

ويقول شيخنا الفوزان ـ حفظه الله ـ في الخطبة المذكور:

ومن أعظم الأسباب الذي يتوفر بها الأمن بعد توحيد الله عز وجل :

اجتماع الكلمة، وعدم التفرق، ونصب الإمام الذي يكون مرجعا للأمة، يقودها إلي مصالحها في الدنيا والآخرة .

ولهذا لما توفي رسول الله e، لم يشرع الصحابة y في تجهيزه وتغسيله والصلاة عليه ودفنه؛ حتى بايعوا الخليفة من بعده.

فاجتمعوا والرسول e مسجاً بعد موته- في سقيفة بني ساعدة؛ المهاجرون والأنصار y، فتشاوروا، وانتهى واتفق رأيهم على مبايعة أبى بكر الصديق t فلما تمت البيعة؛ تفرغوا لتجهيز النبي e.

هذا مما يدل على أهمية المبادرة بنصب الإمام، وأنه لا يجوز أن تمر ساعة والمسلمون بدون إمام يقودهم ويتولى شؤونهم، ولكن لا يتحقق أثر هذه البيعة إلا بالسمع والطاعة للإمام بالمعروف.

وإلا ما فائدة إمام لا يسمع له ولا يطاع، ولهذا قال جل وعلا: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[. [النساء: 59].

وقال الرسول e: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).

ـ أخرجه: أحمد (4/126)، وابو داود (4607)، وابن ماجه (42)، و صححه الألباني ثمّ، وفي “الصحيحة” (2735) ـ

أوصى e بثلاثة أشياء :

1ـ بتقوى الله سبحانه وتعالى .

2ـ وبطاعة ولى الأمر .

3ـ وبالتباع السنة وترك البدعة.

هذه وصية الرسول e لامته عند فراقه للدنيا “. انتهى كلامه حفظه الله.

ومن الأسباب الجالبة للأمن والاستقرار والمحافظة عليه:

تحكيم الشريعة، وإقامة حكم الله في الأرض والرضا به، ونفي ما سواه من تحكيم القوانين الوضعية ـ التي هي من وضع البشر ـ.

يقول سبحانه و تعالى: ] وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ [.

أي: ينصر دينه وأولياءه.

وقوله جل ذكره: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [.

فإقامة حدود الله في أرضه هو من نصر الله تعالى، كما قال العلامة الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ في “تفسيره” (1/540):

” قال ـ تعالى ـ في وعده الصادق المطابق للواقع: ]وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ[ أي يقوم بنصر دينه مخلصا له في ذلك … فابشروا يا معشر المسلمين … واعملوا بالأسباب المأمور بها ثم اطلبوا منه نصركم فلا بد أن ينصركم ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم[ وقوموا أيها المسلمون بحق الإيمان والعمل الصالح فقد ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً[ ثم ذكر علامة من ينصره وبها يعرف أن من ادعى أنه ينصر الله وينصر دينه ولم يتصف بهذا الوصف فهو كاذب فقال: ]الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ[، أي: ملكناهم إياها وجعلناهم المتسلطين عليها من غير منازع ينازعهم ولا معارض]أَقَامُوا الصَّلَاةَ[ في أوقاتها وحدودها وأركانها وشروطها في الجمعة والجماعات ] وَآتَوُا الزَّكَاةَ [ التي عليهم خصوصا وعلى رعيتهم عموما آتوها أهلها الذين هم أهلها ] وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ [ وهذا يشمل كل معروف حسنه شرعا وعقلا من حقوق الله وحقوق الآدميين ] وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ [ كل منكر شرعاً وعقلاً معروف قبحه والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم وتعليم أجبروا الناس على التعلم والتعليم وإذا كان يتوقف على تأديب مقدر شرعا أو غير مقدر كأنواع التعزير قاموا بذلك وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدين له لزم ذلك ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به ]وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[ أي جميع الأمور ترجع إلى الله وقد أخبر أن العاقبة للتقوى فمن سلطه أي على العباد من الملوك وقام بأمر الله كانت له العاقبة الحميدة والحالة الرشيدة ومن تسلط عليهم بالجبروت وأقام فيهم هوى نفسه فإنه وإن حصل له ملك موقت فإن عاقبته غير حميدة فولايته مسؤومة وعاقبته مذمومة”. انتهى.

و قال رسول الله e: (حد يعمل [يقام]في الأرض خير [للناس]لأهله من أنيمطروا ثلاثين صباحاً).

أخرجه: أحمد(2/362،402)، و ابن ماجه (2538) وغيرهما، وحسنه الألباني ثمّ وفي “صحيح الترغيب” (2350) وصححه في “الصحيحة” (231).

ومن الأسباب الجالبة للأمن:

الاستقامة على دين الله والعمل بكتابه، وعدم الخروج عن سنة نبيّه e، قال تعالى في شأن أهل الكتاب:

]وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ[. [المائدة: 66].

ففي هذه الآية الكريمة، جعل الله سبحانه وتعالى تحكيم كتبه المنَـزَّلة والإيمان بها، شرط لتوفير الرزق لأهل الكتاب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقال سبحانه:

]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[. [الأعراف: 96].

وفي هذه الآية، جعل الله تبارك وتعالى الإيمان به وإفراده بالعبادة أيضاً شرط في جلب الخيرات والرزق الذي يوفر الأمن والاستقرار النفسي للبشرية أيضاً.

ومن أسباب زوال الأمن

الكفر بالله تعالى، قال تعالى:

]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا[. [ابراهيم: 28].

وقوله تعالى: ]وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ[. [النحل: 112].

“وبهذه المناسبة إن على كل مسلم أفراداً وجماعات أن يقابلوا نعم الله بالشكر وأن يشكروها بالطاعة والعبادة للَّه وأن يحذروا كفران النعم”. [أضواء البيان: 9/112].

]أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ[ امتنّ اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة على قريش بأنه جعل لهم حرمًا آمنًا يعني حرم مكة فهم آمنون فيه على أموالهم ودمائهم والناس الخارجون عن الحرم يتخطفون قتلاً وأسرًا

وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيّنًا في آيات أُخر كقوله تعالى في (القصص): ]وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً[ وقوله تعالى ]وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً[ وقوله تعالى: ]جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لّلنَّاسِ[ وقوله تعالى: ]فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَاذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ[ ]وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[ ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين جاهدوا فيه أنه يهديهم إلى سبل الخير والرشاد وأقسم على ذلك بدليل اللام في قوله: ]لَنَهْدِيَنَّهُمْ[. [ أضواء البيان 6/163].

أيها المسلمون تبين مما سبق أن الأمن والاستقرار الذي يطلبه كل إنسان على هذه البسيطة؛ لا يتحقق لكل أحد، بل لا يتحقق إلا لمن وحد الله تعالى وكفر بما يُعبد من دونه جل وعلا، وبإقامة شرع الله وتحكيمه في الأرض.

فإذا كان كذلك، فلنطبق هذا على الواقع اليوم، فأي دولة على هذا الكوكب تطبق حكم الله وشرعه، وأقامت دولتها على التوحيد والدعوة إليه ونبذ الشرك والبدع ومحاربة ذلك؟!

أي دولة على هذا الكوكب تقيم السنة في الجملة ـ والكمال المطلق لله تعالى ـ ؟!

أي دولة دستورها ـ علناً ـ القرآن، ومنهجها سنة نبينا محمد e ؟!

أي دولة تحكم بكتاب الله وسنة نبينا محمد e ؟!

فإذا ما عُرضت هذه الاستفسارات على القاصي والداني، والأعداء والأصدقاء؛ وجدت جوابهم ينبع من فيٍّ واحد هي:

دولة التوحيد؛ دولة الحرمين الشريفين ـ المملكة العربية السعودية ـ، فأنعم وأكرم بها من شهادة في الحق، وإنا لنفخر بأن ننتمي إلى هذه الدولة المباركة الفريدة النادرة في زمانها.

حتى أن الأعداء يرمونها بالوهابية ـ تنقصاً ـ ظنوا أن الوهابية مذهب خارج عما جاء به النبي e.

فاللهم لك الحمد على هؤلاء الحكام، نقول هذا أخذاً بقوله تعالى: ]لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ[.

وقد بين تعالى أن الشكر يزيد النعم، كما أنّ الكفر يذهبها.

وقوله e: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس). أبو داود (4811).

وفي لفظ: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله). الترمذي (1954).

وقد أثني على هذه الدولة المباركة جهابذة أهل العلم والصلاح والتُقى في زمانهم؛ من علماء المملكة العربية السعودية، ومن علماء خارجها، ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووه.

وهنا أسوق بعض أقوال بعض علماء السنة في الثناء على هذه الدولة، والشهادة لها بالاستقامة وتحكيم شرع الله.

قال فيها العلامة ابنُ بازٍ – رحمه الله:

هذه الدولة السعودية دولةٌ إسلاميةٌ والحمدُ لله, تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, وتأمرُ

بتحكيم الشرع وتُحكمه بين المسلمين

وقال رحمه الله: العداءُ لهذه الدولةِ عداءٌ للحقِّ, عداءٌ للتوحيد, وأيُّ دولةٍ تقومُ بالتوحيد الآن؟ أي دولة؟؟ من ممن حولنا من جيراننا … من منهم يدعو للتوحيد الآن ويُحَكِّم شريعة الله ويهدم القباب التي تعبد من دون الله من ؟ أين هم؟ أين الدولة التي تقوم بهذه الشريعة غير هذه الدولة ؟

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:

البلادُ كما تعلمون بلادٌ تحكمُ بالشريعة الإسلاميةِ ولله الحمد والمنة.

وقال فيها الشيخ العلامة الفوزان – حفظه الله – عن الدولة ودعوتها السلفية:

لها أكثر من مائتي سنة, وهي ناجحة لم يختلف فيها أحد وتسير على الطريق الصحيح, دولةٌ قائمةٌ على الكتاب والسنة, ودعوةٌ ناجحةٌ لا شك في ذلك.

وقال العلامة الألباني رحمه الله:

أسألُ اللهَ أن يُديمَ النعمة على أرض الجزيرة وعلى سائر بلاد المسلمين, وأن يحفظَ دولةَ التوحيدِ برعايةِ خادمِ الحرمين الشريفين.

وقال محدث اليمن العلامة مقبلٌ الوادعي رحمه الله:

وأنا في فندق دار الأزهر بمكَّة ، بعض الليالي لا يأتيني نومٌ، وأخرج إلى الحَـرمنصف اللَّيل وحدي، فهذا الأمنُ الّذي ما شاهدتُه في بلَدٍ ، إنَّ سببه هو الاستقامة على كتاب الله وعلى سنَّة رسول الله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- ، من المسؤولين، ومن كثير من أهل البلد.

وقال العلامة حمادٌ الأنصاريُ رحمه الله:

من أواخر الدولة العباسية إلى زمنٍ قريب, والدول الإسلامية على العقيدة الأشعرية أو عقيدة المعتزلة, ولهذا نعتقد أن الدولة السعودية نشرت العقيدة السلفية عقيدةَ السلف الصالح, بعد مدةٍ من الانقطاع والبعد عنها إلا عند ثلةٍ من الناس.

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتى عام المملكة حفظه الله :

المملكة العربية السعودية ومنذ نشأتها منذ ما يزيد على القرنين وهي ولله الحمد، دولة سلفية محكمة لشرع الله وسارت على هذا بخطى ثابتة مستمدة عونها من الله سبحانه، ولازالت ولله الحمد على هذا المنهج وقد نفع الله بها الإسلام والمسلمين في ميادين كثيرة جداً. انتهى.

فالأمن نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، سببه الاستقامة على كتاب الله وعلى سنَّة رسول الله e، فلمَّا استقامت هذه البلاد -وبحمد الله- على التوحيد ونبذ الشرك والدفاع عن عقيدة السلف الصالح مكَّن الله لهم، ووفر لهم الأمن المفقود في أكثر بقاع المعمورة ـ ولن أكون مبالغاً إن قلت جميعها ـ، والأعداء يشهدون قبل الأصدقاء.

و إننا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقهم البطانة الصالحة، وأن يُعيذهم من جلساء السوء، وأن يزيدنا من الأمن والاستقرار؛ كي نعبده حق العبادة.

فلينا أن نحافظ على هذه النعمة التي يغبطنا ـ بل يحسدنا ـ عليها الكثير والكثير من الناس اليوم، ولا يكون الشكر باللسان فحسب، بل بالصدق والعمل على طاعة الله وطاعة رسوله e ، ومن ثمّ طاعة ولاة الأمر في طاعة الله سبحانه، قال تعالى:

]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [. [إبراهيم: 7].