أنا طالب علم، أخذت قسطًا من المتون، لكنني مبتلًى ببعض المعاصي في الخلوة، فهل ينطبق عَلَيَّ حديث معناه: «يؤتى بأناس لهم حسنات كأمثال الجبال تهامة، فيجعل الله هباء منثورًا، فلما سألوا عنه قال صلى الله عنه وسلم: إنهم إذا اختلوا محارم الله انتهكوها»؟


أنا طالب علم، أخذت قسطًا من المتون، لكنني مبتلًى ببعض المعاصي في الخلوة، فهل ينطبق عَلَيَّ حديث معناه: «يؤتى بأناس لهم حسنات كأمثال الجبال تهامة، فيجعل الله هباء منثورًا، فلما سألوا عنه قال صلى الله عنه وسلم: إنهم إذا اختلوا محارم الله انتهكوها»؟

يُقَالُ جوابًا على هذا السؤال: إني أوصي نفسي وأخي والمسلمين أجمعين أن نجتهد في طلب العلم لاسيما العلم الواجب، ثم العلم النفل.

وكأن أخانا له اجتهاد في طلب العلم حتى المستحب، فأوصيه أن يستمر؛ فإن الشيطان يحاول أن يصده، وأن يضعفه عن هذا الطريق بأيِّ وسيلةٍ ممكنةٍ.

فأوصيه وأوصي نفسي والمسلمين جميعًا أن نجتهد في طلب العلم، فهو من أَجلِّ القُرب التطوعية.

أما ما ذكره من حديث فهو ما رواه ابن ماجه عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليعلمن أقوام من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال الجبال تهامة بيضاء، فيجعله الله عز وجل هباء منثورًا» قال ثوبان: يا رسول الله صِفْهُم لنا، جَلِّهم لنا ألا نكون منهم، ونحن لا نعلم، قال: «أما أنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها».

هذا الحديث مشكل في معناه، وقد حاول بعض أهل العلم أن يوجِّهوا على مَن عَمِل ذلك نفاقًا ورياء، لكن هذا فيه نظر من جهة أنه سماهم إخوانًا لنا، ومن جهة أخرى أنهم يأتون يوم القيامة بحسناتٍ كالجبال، أي: قُبِلت منهم، والمنافق لا يُقبَل عمله.

ومنهم من أراد أن يجعل استخفافًا بالمعصية، وهذا مشكل؛ فإن الاستخفاف بالمعصية محرم إلا إذا أراد الاستخفاف بالكفر، فالاستخفاف بالكفر يقتضي أن لا يأتي بشيء من الحسنات؛ لأن الكفر والشرك محبطان العمل، كما قال سبحانه: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر:65].

لذا؛ فالذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بيَّن ذلك في كتاب “عجالة الإملاء” للمؤلف الناجي المتوفى في السنة التسعمائة قريبًا، قد بيَّن رحمه الله تعالى في كتابه هذا الذي هو “عجالة الإملاء” وخلاصة كتابه استدرك على بعض الأوهام التي وقعت مِن المنذري رحمه الله تعالى في كتابه “الترغيب والترهيب”.

بيَّن الناجي رحمه الله تعالى أن الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فيه أن شيخ ابن ماجه عيسى الرملي صدوق ربما أخطأ، وأيضًا فيه عقبة بن علقمة وهو متكلَّم فيه.

ومما أذكر زيادة على كلام الناجي رحمه الله تعالى أن الحافظ بن حجر ذكر في مقدمة “هدي الساري” أن الراوي إذا وُصِف بأنه ربما أخطأ ونحو هذا فإنه لا يُقبَل ما تفرَّد به.

فعلى هذا، لا يُقبَل هذا الحديث، وأنه ضعيف، لاسيما وأنه يعارض حديث: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون».

فظاهر هذا الحديث أنه جعل غير المجاهر أعظم إثمًا من المجاهر.

فالمقصود أن الحديث لا يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس معنى عدم صحته أن يتهاون المسلمون وطلّابُ العلم في المعاصي التي تكون في الخفاء، بل يجب علينا أن نتقي الله، وأن نترك المعاصي كلّها، سواء أكانت في الجهر أو الخفاء، فإن الله يطلع على الجهر وأخفى سبحانه وتعالى.