أرجو بيانًا للشفاعة؟ ما صورتها؟


يقول السائل: أرجو بيانًا للشفاعة؟ ما صورتها؟ وكيف يُتعبَّد بها في الدنيا؟ ومتى تكون شركًا؟ وهل الشفاعة الشرعية تكون يوم القيامة فقط؟ وممكن مثالاً للشفاعة الشركية والشفاعة الشرعية؟

 

يُقَالُ جوابًا على هذا السؤال: إن الكلام على مضامين هذا السؤال يطول، ولكن أُبيِّن بعض الأمور، وأشير للأجوبة على ما ذكر السائل إن شاء الله تعالى: الشفاعة هي: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، وهذا معروف في حياتنا اليومية إذا أراد أحد شيئًا، وذاك الرجل مسؤول، فإنه يطلب منه ما يسمى عندنا بالواسطة أي الشفاعة.

فإذًا الشفاعة: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، وهو فيما يتعلق في حق الباري سبحانه وتعالى هو: أن الله سبحانه يقبل شفاعة الشافعين في فلان، لنفرض أن رجلاً استحق النار، فشفع فيه أحدُ الأنبياء أو أحد الصالحين، أو الملائكة بأن لا يُدخِل النار، فقَبِل الله شفاعته، فالشفاعة إذن لها أركان:

– الركن الأول: الشافع وهو النبي أو الصالح أو الملَك مما تقدم ذكرهم.

– الركن الثاني: المشفوع فيه، وهو الذي استوجب دخول النار، لكن بالشفاعة لم يدخل النار.

– والركن الثالث: وهو المشفوع إليه، وهو ربُّنا سبحانه وتعالى .

فإذًا الشفاعة لها أركان ثلاثة، هذا هو معنى الشفاعة، فبرحمة الله وكَرمِه أن جعل خلقًا من خلقه يشفعون لغيرهم بألا يدخلوا النار، أو أن يخرجوا من النار، أو أن ترفع درجتهم في الجنة وهكذا، وهذا من رحمة الله وكرمه.

لكن بيَّن ربُّنا سبحانه أن شفاعة أحد لأحد لا تقبل إلا بشرطين:

– الشرط الأول: أذِن الله للشافع أن يشفع في المشفوع فيه.

– الشرط الثاني: أن يكون الله راضيًا عن المشفوع فيه، ومِن باب أولى أن يكون راضيًا عن الشافع، وقد جمع الله الشرطين في آية النجم، قال سبحانه: ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾[النجم:26]، وشرط الرضا أن يكون موحِّدًا، فمن لم يكن موحِّدًا فهو محروم من الشفاعة، بل حكمه الخلود في النار -عافاني الله وإياكم- كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ﴾ [المائدة:72]، وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله مَن أحقُّ الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال: لا إله إلا الله خالِصًا من قلبه» هذا هو شرط الرضا، وهو أن يكون موحِّدًا، وبعد ذلك يتفاوت الناس فيما زاد على التوحيد على مراتب لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى .

إذا تبين هذا، وهو أن للشفاعة شرطين: الإذن أو الرضا، فإذا وُجِد هذان الشرطان صارت الشفاعة شفاعة مثبتة، أي: يثبت نفعها يوم القيامة، وإذا اختل أحد هذين الشرطين صارت الشفاعة منفية، أي: ينتفي نفعها يوم القيامة.

وهذه هي الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في “مجموع الفتوى”، ويذكرها كثيرًا أئمة الدعوة النجدية السلفية، وفي مقدمهم الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورحم الله جميع علماء المسلمين.

إذًا هذان نوعان للشفاعة على ما تقدَّم تقريره، الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، والشفاعة نفعها على ما تقدم أن المشفوع فيه يستفيد من هذه الشفاعة، وقد تكون الشفاعة في الدنيا بمعنى: أن يشفع أحدٌ لأحد عند الله بأن يُغفَر له إلى غير ذلك.

ومِن أدلة ذلك ما أخرج مسلم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفَّعهم الله فيه» أي: استجاب الله دعاءهم فيه بأن يغفر له، أو يرفع درجته، أو أن لا يُدخِل النار إلى غير ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ما الشفاعة التي ستكون، وعند الأصوليين قاعدة؛ حذف المعمول يفيد العموم، فإذًا يُشفَع له بحسب حاله ممَّا أراد الله سبحانه بكرمه وفضله.

وقد تكون الشفاعة شرعية، وقد تكون شركية.

من الشفاعة الشركية: هو أن يقول القائل الآن: يا رسول الله اشفع لي، هذه شفاعة شركية؛ لأن النبيصلى الله عليه وسلم ميِّت، والدعاء عبادة، فدعاء النبي صلى الله عليه وسلم هو صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى ، وصرف العبادة لغير الله شرك أكبر، كما قال سبحانه: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء:23]، فلو قال القائل: يا رسول الله اشفع لي لوقع في الشرك، عافاني الله وإياكم.

أما الشفاعة الشرعية أن يقول القائل:يا رب، يا رب شفِّع فِيَّ نَبِيَّك محمدًاصلى الله عليه وسلم ، يدعو الله أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الشفاعة شرعية، وتُفعَل في الدنيا، فأسأل الله الذي لا إله إلا هو بكرمه ورحمته وفضله وجوده أنه الرحمن الرحيم أن يشفِّع فينا نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يُبلِغنا برحمته الفردوس الأعلى، إنه الرحمن الرحيم، وجزاكم الله خيرًا.