فيما يتعلق بما يفعله الناس بعد دفن الميت مِن صنع الطعام للمُعزِّين، والجلوس لتلقِّي التعازي مِن الناس، ما حكمه؟


يقول السائل: فيما يتعلق بما يفعله الناس بعد دفن الميت مِن صنع الطعام للمُعزِّين، والجلوس لتلقِّي التعازي مِن الناس، ما حكمه؟

الجواب:

إنه ينبغي أن يُعلَم أنَّ العبادات نوعان:

النوع الأول:يُرجَع في صفته إلى الشرع، كالصلاة والصيام والذكر، وغير ذلك، فهذا النوع مِن العبادة هو توقيفيٌّ في صفته، فلو أحدَث أحدٌ صفةً جديدةً في الذكر أو الصلاة …إلى غير ذلك، فإنه يكون قد وقع في البدعة؛ لأنَّ النبي ﷺ يقول فيما أخرج الشيخان مِن حديث عائشة -رضي الله عنها-: «مَن أحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ».

النوع الثاني: عباداتٌ لا يُرجَع في صفتها إلى الشرع، بل إلى أعراف الناس، وهذا مثل إكرام الضيف، وصفة اللباس، إلى غير ذلك، فإنَّ أمثال هذه الأمور لا يُرجَع فيها إلى التوقيف، بل إلى أعراف الناس، فالنبيُّ ﷺ أمرَ بإكرام الضيف، فأكرَم الضيف في زمنه بحسب أعراف الناس، وكذلك لَبِسَ بحسب عُرف قومِه، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فيما يتعلق باللباس كما في (مجموع الفتاوى).

إذَن إذا تبيَّن أنَّ العبادات صنفان ونوعان، النوع الأول ما يُرجَع في صفتِه إلى الشرع، والنوع الثاني ما يُرجَع في صفته إلى غير الشرع كالأعراف، فالنوع الثاني ليس توقيفيًّا، بل يتعامل الناس فيه بحسب أعرافهم.

بعد هذا يُقال: إنَّ التعزية مستحبةٌ بالإجماع، وقد حكى الإجماع ابن قدامة -رحمه الله-، وقد ثبت عند النسائي أنَّ النبي ﷺ قابَل رجلًا قد ماتَ ولده فعزَّاهُ ﷺ، لكن تنازَع العلماء على قولين: هل التعزية مما يُرجَع في صفتِه إلى الشرع؟ أو مما يُرجَع في صفته إلى الأعراف؟

فمَن قال إنه يُرجَع في صفته إلى الشرع جعلَ التعزية توقيفية ولا يفعل فيها شيئًا إلا بما ثبت الدليل به، ومَن قال إنه يُرجَع في صفته إلى الأعراف فإنه لا يجعل التعزية توقيفيةً.

وأصح القولين -والله أعلم- أنَّه في التعزية لا يُرجَع إلى الشرع، بل إلى أعراف الناس، وهذا قول أحمد في رواية وهو قول عند الحنابلة، ويدل لذلك أنها تمامًا كإكرام الضيف، الشريعة استحبَّت إكرام الضيف واستحبَّت التعزية لكن لم تأت فيهما بصفة، وكلا الأمرين كانا موجودين قبل بعثة النبي ﷺ، وبُعِثَ النبيُّ ﷺ في قومٍ يُكرمون الضيف ويُعزُّون أهل الميت، ولم يأمرهم بأن يفعلوا صفةً ولم يُرجِعهم في ذلك إلى التوقيف كما فعل في الصلاة وغيرها.

إلا أنه ينبغي أن يُعلَم أنَّ هناك أمورًا نهت عنها الشريعة في التعزية وفي اللباس وفي إكرام الضيف، فما نهت عنه الشريعة يُترَك -لا لأنَّ هذه الأمور توقيفية- وإنما لوجود نصٍّ خاصٍّ، ففي إكرام الضيف يُترَك التفاخُر والإسراف، وفي اللباس يُترَك لبس الحرير للرجال والإسبال، وفي التعزية يُترَك ما جاءت الشريعة بالنهي عنه، كالنياحة والنُّدبة وغير ذلك.

فإذَن لا يُحرَّم مِن التعزية إلا ما حرَّمتهُ الشريعة.

وقد أخرج أحمد مِن حديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- أنه قال: كنا نَعدُّ صنع الطعام والاجتماع عند الميت مِن النياحة. وهذا الحديث -لو صحَّ- دلَّ على حرمة هذا الفعل وهو الاجتماع وصنع الطعام، لكن بيَّن الإمام أحمد -رحمه الله- في مسائل أبي داود أنه ليس بشيء، والعلة في هذا الحديث -والله أعلم- تدليس هشيم بن بشير، فالحديث لا يصح عن النبي ﷺ.

لذا ثبت في الصحيحين أنَّ عائشة -رضي الله عنها- اجتمعت مع نسوةٍ قد حصل لهم وفاة، ثم ذكرت حديث: «اصنعوا التلبية لأهل الميت فإنها تجم الفؤاد وتُذهب الحزن»، وكذلك علَّق البخاري جازمًا به أنه لما مات خالد بن الوليد بكى عليه نساء من بني الأشهل، فنهاهم أقوام فقال عمر: دعهنّ يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقعٌ أو لقلقة.

فدلَّ هذا على أنَّ النساء اجتمعنَ كما في الأثر نفسه، فالمقصود أنَّ الاجتماع وُجِد، ولو قُدِّر أنه لم يوجد في زمانهم إلا أنَّ الأمر كما تقدم ذكره وأنَّ أمثال هذه الأمور يُرجَع فيها إلى أعراف الناس، وحديث: «كنا نعد صنع الطعام …» ضعيف على ما تقدم ذكره.

لذا الأظهر -والله أعلم- أنه يصح أن يُجتمَع للعزاء بحسب الأعراف، وأن يُصنَع لأهل الميت طعام، أما أن يصنع أهل الميت للناس طعامًا فهذا الأصل فيه الكراهة كما اتفقت على ذلك المذاهب الأربعة، بخلاف أن يُصنَع لهم طعام فهذا مستحبٌّ عند المذاهب الأربعة؛ لأنهم قد شُغلوا بهذا العزاء.

هذا ملخص ما يتعلق بهذه المسألة -والله أعلم-.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

461_1


Share This Content:
0