العناية بالأبناء ومسؤولية تربيتهم وحمايتهم من أسباب الانحراف


« العناية بالأبناء ومسؤولية تربيتهم وحمايتهم من أسباب الانحراف »

«تعميم الوزارة» 

محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام

26/12/ 1447

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَاتِ الَّتِي حَمَّلَ اللَّهُ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ مَسْؤُولِيَّتَهَا: تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].  

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ …» الحديث [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، حَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

فَمِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ:

أَوَّلًا: تَرْبِيَتُهُمْ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَغَرْسُ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ فِي نُفُوسِهِمْ مُنْذُ الصِّغَرِ؛ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [ البقرة : 132 ] وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لقمان : 13 ]

فَأَعْظَمُ مِيرَاثٍ يَتْرُكُهُ الْوَالِدَانِ لِأَبْنَائِهِمْ هُوَ الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ، وَالِالْتِزَامُ بِآدَابِ الْإِسْلَامِ وَأَخْلَاقِهِ الْفَاضِلَةِ.        ثَانِيًا: مِنْ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ:

اخْتِيَارُ الصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ لَهُمْ، وَمُتَابَعَةُ بِيئَاتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالرَّقْمِيَّةِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَحِمَايَتُهُمْ مِنْ مَوَاطِنِ الْفَسَادِ وَالِانْحِرَافِ، وَعَدَمُ تَرْكِهِمْ فَرِيسَةً لِلْمُؤَثِّرَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنَ الِابْنِ مِعْوَلَ هَدْمٍ لِدِينِهِ وَمُجْتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ.

قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ» [ متفق عليه ]

ثَالِثًا: مِنْ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ:

الدُّعَاءُ لِلْأَبْنَاءِ بِالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ صَلَاحِهِمْ وَتَوْفِيقِهِمْ؛ فَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ يُحْسِنُونَ تَرْبِيَةَ أَبْنَائِهِمْ، وَيُدِيمُونَ لَهُمْ صَالِحَ دُعَائِهِمْ؛ فَقَدْ دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾

[ إبراهيم : 40 ]

وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [ الفرقان : 74 ]

وَقَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ»

[ صحيح ابن ماجه ]

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَاهْدِهِمْ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ  ، اللَّهُمَّ زَيِّنْهُمْ بِالتَّقْوَى، وَاجْعَلْهُمْ مِنْ عِبَادِكَ الْمُهْتَدِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِنَايَةَ بِالْأَبْنَاءِ وَرِعَايَتَهُمْ وَحِفْظَهُمْ مِنَ الِانْحِرَافِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَسَائِرِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ، وَأَنَّ التَّعَاوُنَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [ المائدة : 2 ]

فَصَلَاحُ الْأَبْنَاءِ صَلَاحٌ لِلْأُسَرِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأَوْطَانِ، وَوِقَايَةٌ مِنْ أَسْبَابِ الْجَرِيمَةِ وَالِانْحِرَافِ وَالتَّفَكُّكِ وَالْفَسَادِ، وَأَيْضًا نَفْعٌ لَهُمْ وَلِوَالِدِيهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ تُرَبِّي أَبْنَاءَكَ عَلَيْهِ يَكُونُ لَكَ مِثْلُ أَجْرِهِ؛ حَيْثُ إِنَّ الأَجْرَ مُشْتَرَكٌ لَكَ وَلَهُ، لَهُ الأَجْرُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَكَ الأَجْرُ عَلَى الدَّلاَلَةِ عَلَى هَذَا الْخَيْرِ؛ كَمَا قَالَ رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ دَلَّ علَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» [رواه مسلم].

وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – ].

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [ رواه مسلم ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلِ بِفَضْلِكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَالدِّينِ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَاخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَارْفَعْ عَنْهُمُ الْفِتَنَ وَالْمِحَنَ، وَاحْفَظْ دِمَاءَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ عَافِيَةً.

 اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْزِهِ خَيْرَ الْجَزَاءِ عَلَى مَا يُقَدِّمُهُ لِلإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْهُ بِحِفْظِكَ، وَأَيِّدْهُ بِتَأْيِيدِكَ، وَوَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ لِكُلِّ خَيْرٍ وَسَدَادٍ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


Share This Content:
0