يقول السائل: وأنا أقرأ القرآن أقرأ آيات فيها سجود التلاوة، فما الأحكام المتعلقة بها؟
الجواب:
إنه يتعلق بسجود التلاوة أحكام، منها ما يلي:
الحكم الأول: أنَّ سجود التلاوة مستحب وله فضل مذكور في سنة النبي ﷺ، وهو ما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا قرأ ابنُ آدم آية السجدة وسجد، تنحَّى الشيطان يبكي ويقول: أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجَد، وأُمِرتُ بالسجودِ فأبيت».
وهذا السجود مستحبٌّ وليس واجبًا، كما هو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية، ويدل لذلك ما ثبت في البخاري عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: يا أيها الناس، إنا نمرُّ بالسجود، فمَن سجدَ فقد أصاب ومَن لم يسجد فلا إثم عليه.
الحكم الثاني: أنَّ سجود التلاوة صلاةٌ كبقية الصلوات، فيجب أن تُستَر فيه العورة، وأن تُستَقبل القبلة، وأن تُزالَ النجاسة، إلى غير ذلك مما يتعلق بأحكام الصلاة، وهذا قد أجمع العلماء عليه، حكى الإجماع ابن بطال، وابن عبد البر، والقاضي عياض، وابن قدامة، والنووي، وابن الموَّاق.
ويدل على هذا آثار الصحابة، كما ثبتَ عن أبي أُمامة -رضي الله عنه- عند ابن أبي شيبة، وثبتَ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عند عبد الرزاق، أنهما لم يسجدا في وقتِ نهيٍ؛ لأنهما يريان أنها صلاة.
وما جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما- كما جاء في البخاري أنه سجدَ على غير طهور، فإنَّ النُّسخ الأخرى فيها أنه سجدَ على طهورٍ، ولابن حجر كلامٌ مفيدٌ على هذا الأثر.
فالمقصود أنَّ الثابت عن الصحابة والذي دلَّ عليه إجماع العلماء، وقد حكاه غيرُ واحدٍ كما تقدم أنها صلاة، فعلى هذا إذا كانت المرأة تقرأ القرآن وأرادت أن تسجد فلتلبس لباس الصلاة؛ لأنه يجب لِمَن أراد أن يسجدها أن يستر عورتَهُ التي تُستَر في الصلاة، إلى غير ذلك مِن الأحكام.
ولم أرَ مَن خالَف في ذلك إلا الظاهرية ومَن تأخَّر من بعض أهل العلم، أما كلام الأولين مِن المذاهب الأربعة على أنها صلاة.
الحكم الثالث: يستحبُّ السجود للتلاوة في الصلاة وفي خارج الصلاة، أما الصلاة فقد ثبت في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في مسلم أنَّ النبي ﷺ قرأ بهم في صلاة العشاء: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] فسجدَ، قال أبو هريرة: فسجدنا معه.
أما خارج الصلاة فقد دلَّ على ذلك أحاديثُ كثيرة، منها حديث زيد بن ثابت، وابن عباس، وعمر بن الخطاب قرأ آيةً فيها سجود فنزلَ مِن المنبر فسجد -رضي الله عنه-، والمذاهب الأربعة متفقون على أنَّه يُسجَد لها داخل الصلاة وخارج الصلاة.
الحكم الرابع: إذا سُجِد لها داخل الصلاة فإنه يُستحبُّ أن يُكبَّر لرفعها وخفضها، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية، ويدل لذلك ما أخرج البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ كان يُكبِّر لكلِّ خفضٍ ورفعٍ.
أما إذا كان خارج الصلاة فأيضًا يُستحبُّ أن يُكبِّر لخفضِه ورفعِه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك في قول وأحمد في رواية، وهو الثابت عن التابعين، ثبتَ عن الحسن البصري، وابن سيرين، وأبي قِلابة، وكلام الحسن البصري أوضحهم، ففيه التكبيرُ عند السجود وعند الرفع منه.
فلذا يُكبَّر للسجود والرفع منه داخل الصلاة وخارج الصلاة.
الحكم الخامس: المستمِع للقارئ عند سجوده للتلاوة له حالان:
- الحال الأولى: أن يكون داخل الصلاة، فإنه يسجد معه بإجماع أهل العلم كما حكاه القاضي عياض، وكما يدل عليه حديث أبي هريرة المتقدم.
- الحال الثانية: أن يكون خارج الصلاة، فيسجد معه إذا كان مستمعًا، أي يتقصَّد الاستماع لا سامِعًا، ثبت في سنن سعيد بن منصور وصححه الحافظ ابن حجر عن عثمان -رضي الله عنه- أنه قال: إنما السجود على مَن استمَع. وإلى هذا ذهب مالك والإمام أحمد.
الحكم السادس: لم يصح حديث عن رسول الله ﷺ فيما يُقال في سجود التلاوة، أخرج أبو داود مِن حديث أبي العالية عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: «سجدَ وجهي للذي خلقه، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين»، لكن هذا الحديث لا يصح، فلم أرَ حديثًا صحيحًا في ذلك، وإنما يقول في سجود التلاوة ما يقوله في بقية السجَدات، كما ذهب إلى ذلك الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وإسحاق بن راهويه، وهو ظاهر قول الشافعية، قال به النووي -رحمه الله تعالى-.
الحكم السابع: مَن لم يسجد للتلاوة لأيِّ سببٍ كان، كأن يكون يقرأ القرآن مِن حفظِه، فلا يصح له أن يسجد لأنه على غير طهارة، فإنَّ مثل هذا يصح له أن يقضي سجوده وأن يسجد ولو بعد حين؛ لأنه ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قضَى سجدة تلاوة بعد حينٍ، وهذا قول إسحاق وهو ظاهر قول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
هذه بعض الأحكام المتعلقة بسجود التلاوة، أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
