شهر الله المحرم


« شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ »

محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام

4/1/ 1448

الخُطْبَةُ الأُولَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، مُقَلِّبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَمُصَرِّفِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، جَعَلَ فِي اخْتِلَافِهَا عِبْرَةً لِأُولِي الْأَنَامِ، وَفِي تَعَاقُبِهَا تَذْكِرَةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ عَبَدَ رَبَّهُ وَاتَّقَاهُ، وَخَيْرُ مَنْ شَكَرَهُ وَابْتَغَى رِضَاهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، وَأَعْظَمُ عُدَّةٍ لِلْعَبْدِ فِي الْمَبْدَإِ وَالْمَعَادِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾

[آل عمران: 102].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنِ اختَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَزْمِنَةً جَعَلَهَا مَوَاسِمَ لِلْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، فَاغْتَنَمَهَا الصَّالِحُونَ، فَنَالُوا السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَمِنَ الْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ : شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، ذَلِكَ الشَّهْرُ الْمُبَارَكُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَامَهُمُ الْهِجْرِيَّ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَتَتَجَدَّدُ فِي النُّفُوسِ ذِكْرَى الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ، وَمَا حَمَلَتْهُ مِنْ مَعَانِي التَّضْحِيَةِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى.

وَمَعَ أَنَّ بِدَايَةَ السَّنَةِ الْهِجْرِيَّةِ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَخْصِيصُهَا بِعِبَادَاتٍ مُعَيَّنَةٍ أَوِ احْتِفَالَاتٍ خَاصَّةٍ، إِلَّا أَنَّ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ نَفْسَهُ يَحْمِلُ فَضَائِلَ عَظِيمَةً وَمَكَانَةً رَفِيعَةً، فَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي عَظَّمَهَا اللهُ تَعَالَى، فَقَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾  [التوبة: 36].

 وَأَضَافَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ –  إِلَى اللهِ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا فَقَالَ: « أَفْضَلُ الصِّيَامِ بعْدَ رَمضَانَ : شَهْرُ اللَّهِ المحرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْد الفَرِيضَةِ: صَلاةُ اللَّيْلِ » [ رواه مسلم ]

فَحَرِيٌّ بِالْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ فَضْلَ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَنْ يُحْسِنَ اغْتِنَامَ أَيَّامِهِ بِالطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ مُسْتَهَلِّ عَامِهِ الْجَدِيدِ بَدَايَةً صَادِقَةً لِلتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى.

وَشَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ عَظِيمَةٌ يَوْمَ أَنْ نَجَّى اللهُ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -:«مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ ؟ » فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ.

    فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: « فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ»

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلَ صِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ وَرَغَّبَ فِي صِيَامِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا : مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ – سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ».

وَلَفْظُهُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ».

وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ», مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».

وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَاشُورَاءِ عَلَى مَرَاتِبٍ مِنْهَا :

الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: صِيَامُهُ مَعَ يَوْمٍ قَبْلَهُ فَقَطْ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أَنَّهُ قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ – « فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ » قَالَ : فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ –

 الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: صِيَامُهُ مَعَ يَوْمٍ بَعْدَهُ فَقَطْ؛ لِتَحْقِيقِ مُخَالَفَةِ اليَهُودِ.

الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: صِيَامُهُ مَعَ يَوْمٍ قَبْلَهُ وَيَوْمٍ بَعْدَهُ .

الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: صِيَامُهُ وَحْدَهُ؛ لِفِعْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ –

اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا، وَأَعِنَّا عَلَى حُسْنِ اسْتِغْلَالِ أَعْمَارِنَا ، وَاجْعَلْ أَيَّامَنَا مَزْرَعَةً لِلْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِيِنَ .

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِهِ الْمُسْلِمُ وَيَحْرِصَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ وَفِي غَيْرِهِ:

هُوَ تَجْدِيدُ الْعَهْدِ مَعَ اللَّهِ وَالتَّوْبَةُ إِلَيْهِ؛ وَهَذَا أَهَمُّ مَا يَحْتَاجُهُ الْمُسْلِمُ فِي مُطْلَعِ شَهْرٍ عَظِيمٍ مِنْ عَامٍ جَدِيدٍ، فَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُ؛ فَإِنْ وَجَدَ خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ جَدَّدَ التَّوْبَةَ وَاسْتَغْفَرَ، وَعَزَمَ عَلَى تَصْحِيحِ مَسَارِهِ ؛ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ شَهْرَ اللهِ الْمُحَرَّمَ فَاتِحَةَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا فِيهِ صِدْقَ التَّوْبَةِ، وَحُسْنَ الْعَمَلِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَعْمَارَنَا عَامِرَةً بِطَاعَتِهِ، وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِنَا مَرْضِيَّةً عِنْدَهُ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [ رواه مسلم ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


Share This Content:
0