الحرية الديمقراطية عند الإخوانيين


[الحرية الديمقراطية عند الإخوانيين]

بسم الله الرحمن الرحيم

فمن أعظم صور الطغيان على الدِّين في العصر الحديث: منازعةُ حقِّ الله تعالى في الإلزام -الذي هو مقتضى عبوديته سبحانه- بجعله حقًّا خالصًّا للبشر، كما هو الحال في النظام الديمقراطي المبني على الحرية الليبرالية، الذي يجعل اختيار الأغلبية مصدرًا للإلزام، ولو خالف شرع الله تعالى.

وقد تأثَّر بهذا المبدأ بعض الأحزاب الإسلامية المؤمنة بالحرية الليبرالية، والمنادية بالديمقراطية والتعددية الحزبية، وتضمنت دعوتهم:

1. أن الحرية حق مطلق للمسلمين إذا كان اختيار الأغلبية، ولو نتج عنه اختيار حاكم كافر يحكم المسلمين!

2. أن هذا الحق مُلزِم ولا يصح لأحد الاعتراض عليه، حتى ولو نتج عنه ما تقدم، وإنما الواجب عند اختيار الأغلبية لما يخالف الشرع الاكتفاء بدعوة الناس للدِّين لإرجاعهم للصواب، أما اختيار الأغلبية (فيجب) قبوله؛ لأنه من الحرية التي لا يجوز مصادرتها!

هذه الفكرة يرددها عدد من رموز جماعة الإخوان المسلمين ومن تفرَّع عنها، لدرجة أن القرضاوي وطارق السويدان يرددان: “الحرية مُقدمة على تطبيق الشريعة”!

ومن أبرز آثار منهجهم المتأثر بالحرية الليبرالية: إنكار حد الـردة، وجهــاد الطلب، والتساهل في أحكام الولاء والبراء، وكثير من الثوابت الشرعية، والمُتأمِّل في هذا المنهج يجد أنَّ الإشكال عندهم ليس في مجرد الانحراف في فهم أدلة هذه المسائل التفصيلية، وإنما مشكلتهم في ميلهم المُسبَق لمبدأ الحرية الليبرالي، فتشرَّبته قلوبهم ثم فسروا به النصوص الشرعية واستدلوا بها على هذا الأصل الفاسد، ليخرجوا بنتيجة: أن الشريعة تدعو للحرية ولا تُلزِم بالحق.

وحججهم في الجملة قائمة على أمرين:

الأول: استدلال شرعي، كالاستدلال بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ونحوها من الآيات التي فهموها على غير وجهها، ثم تركوا أو تغافلوا عن بقية نصوص الكتاب والسنة المفسرة لها، وتغافلوا عن بقية أدلة الكتاب والسنة الكثيرة والقطعية في الدلالة على بطلان مبدأ حرية الاعتقاد وغيره من صور الحرية الليبرالية، كأدلة جهاد الطلب، والجزية، وإقامة الحدود، وهدم أصنام المشركين، ومنع أهل الكتاب من استحداث كنائس في بلد المسلمين أو الترويج لدينهم بين المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء والبراء، وغيرها الكثير والكثير.

الثاني: القياس والاستدلال العقلي، فيقولون: إن إلزام الناس بالحق بغير اقتناعهم يدعو للنفاق!

فيقال لهم: إلزام الناس بحرية اختيار الشعب هو من جنس ذلك أيضًا، فعلى مبدئكم ألا تقبلوا به!

ثم فتح الباب لأهل الباطل لبث باطلهم باسم حرية الاعتقاد وحرية الفكر والتعددية الحزبية …إلخ هو من أهم ما يُسهم في نشر النفاق الأكبر والأصغر بشتى صوره؛ لتضمُّنه الرضى بانتشار الكفر باسم الحرية، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك، الذي جعله الله تعالى من صفات المنافقين!

أما الإلزام بالحق في الأحكام الشرعية فهو لتحجيم وإضعاف الباطل وأهله وتقوية الحق وأهله، وإن لم يقتنع بعض الناس، وكثير من صور الحق التي أمر الله بها عباده لا تتحقق إلا بقوة السلطان ولا يكفي معها مجرد الدعوة والتعليم، فدوافع ترك الحق والوقوع في الباطل كثيرة ومن الخطأ الفادح اختزالها في الجهل، فمن الدوافع: العناد، واتباع الهوى، وغيرها، فهل يقوى النفاق في مثل هذه البيئة أو يضعف؟

فالمقصود من الإلزام في بعض الأحكام الشرعية تقوية الحق وإضعاف الباطل لإقامة دين الله، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويتهيأ المجتمع لقبول الحق وانتشاره، ويتضح ذلك أكثر بالنظر في جميع النظم والقوانين التي تُلزم الناس وتُحجِّم من حريتهم في أمور كثيرة لأجل منع كثير من الجرائم والتجاوزات وإن لم يقتنع بها كل فرد، بل حتى لو رفضتها الأغلبية؛ لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.


Share This Content:
0