فضل العلم وأهله، والاستعداد للعام الدراسي الجديد


« فضل العلم وأهله، والاستعداد للعام الدراسي الجديد»

« تعميم الوزارة »

محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام

1/3/ 1448

الخُطْبَةُ الأُولَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنَارَ الْعُقُولَ بِالْإِيمَانِ ، وَشَرَّفَ الْمُسْلِمَ بِالْعِلْمِ وَالسِّنَانِ ، وَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ هُدَاةً لِلْأَنَامِ، وَمَصَابِيحَ فِي الظَّلَامِ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَ بِالْقِرَاءَةِ وَالْقَلَمِ، وَعَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ هَادِياً وَمُبَشِّراً وَنَذِيِراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ شَأْنَ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ ، فَقَالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [ المجادلة : 11 ]

وَقَرَنَ سُبْحَانَهُ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ فِي أَعْظَمِ مَشْهُودٍ بِهِ ، فَقَالَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [ آل عمران : 18 ]  

وَنَفَى الْمُقَارَنَةَ بَيْنَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَاتَّبَعَهُ، بِمَنْ تَخَبَّطَ فِي عَمَايَتِهِ وَجَهْلِهِ ، فَقَالَ : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ الزمر : 9 ]

وَجَعَلَ نَبِيُّنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – طَلَبَ الْعِلْمِ طَرِيقاً مُوصِلًا إِلَى الرِّضْوَانِ وَالْجِنَانِ، فَقَالَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ» [ رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود ]

وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْفَضْلُ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ الْهِمَّةِ فِي الطَّلَبِ، وَالْجِدِّ فِي التَّحْصِيلِ ، وَالإِقْبَِالِ عَلَى الْعِلْمِ، وَالصَّبْرِ فِيهِ، وَالْمُصَابَرَةِ وَالْمُرَابَطَةِ عَلَيْهِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : الأُمَمُ تُبْنَى بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ بِسَوَاعِدِ أَبْنَائِهَا، وَفُتُوَّةِ شَبَابِهَا، فَبِهِمْ تُصْنَعُ الأَمْجَادُ، وَيُصَانُ الدِّينُ، وَتُحْفَظُ الْبِلادُ.

وَإِنَّ أَوَّلَ لَبِنَةٍ يَجِبُ أَنْ تُوْضَعَ فِي بِنَاءِ أَبْنائِنَا بَعْدَ الإِيمَانِ: رَفْعُ الْجَهْلِ بِالْعِلْمِ، لأَنَّهُمْ قَادَةُ الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَلْبُ الأُمَّةِ النَّابِضُ .

وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا فِي بِلَادِنَا مَا هَيَّأَهُ لَنَا سُبْحَانَهُ مِنْ دُورِ الْعِلْمِ وَالتَّحْصِيلِ؛ فَفِي كُلِّ عَامٍ يَحُلُّ عَلَيْنَا عَامٌ دِرَاسِيٌّ جَدِيدٌ ، فِي مَشْهَدٍ مَهِيبٍ جَلِيلٍ، وَمَنْظَرٍ بَهِيٍّ جَمِيلٍ ،مَنْظَرٌ يَسُرُّ الْخَاطِرَ، وَيُسْعِدُ النَّاظِرَ؛ مَنْظَرُ الْعِلْمِ وَالسَّعْيِ فِي طَلَبِهِ، وَمَنْظَرُ الْمُعَلِّمِينَ الأَكَارِمِ وَالطَّلَبَةِ، فِي أَشْرَفِ عَمَلٍ رَغِبَ فِيهِ الرَّاغِبُ، وَأَفْضَلِ مَا طَلَبَ وَجَدَّ فِيهِ الطَّالِبُ، وَأَنْفَعِ مَا اكْتَسَبَهُ وَاقْتَنَاهُ الْكَاسِبُ .

فِي مَدَارِسِ الْعِلْمِ وَرِيَاضِ الْجَنَّةِ، حَيْثُ تَرْسِيخُ الْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَتَعْزِيزُ مَنْهَجِ الْوَسَطِيَّةِ، وَغَرْسُ أُصُولِ اللُّحْمَةِ الْوَطَنِيَّةِ ، مِنْ مَحَبََّةِ الْوَطَنِ وَالْوَلَاءِ لَهُ، وَتَعْظِيمِ حَقِّهِ ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مُكْتَسَبَاتِهِ، وَالدِّفَاعِ عَنْهُ، وَالْوُقُوفِ صَفًّا وَاحِدًا فِي وَجْهِ كُلِّ مَا يُهَدِّدُ أَمْنَهُ وَوَحْدَتَهُ وَاسْتِقْرَارَهُ  ، وَاسْتِشْعَارِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَوَحْدَةِ الصَّفِّ .

اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنَا فِي طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَنَا فِي مَرْضَاتِكَ، وَارْزُقْنَا الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَجَنِّبْنَا الشُّرُورَ وَالْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا – أَيُّهَا الآبَاءُ –  أَنَّ الْوَلَدَ الصَّالِحَ نِعْمَةٌ وَمِنَّةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، ومِعْيارُ صَلاحِهِ وفلاحِهِ: دِينُهُ وتَقْوَاهُ، وَهَذا الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَهْتَمَّ بِهِ مِنْ شُؤُونِ أَبنَائِنَا، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ الْمَسْجِدَ وَالْبَيْتَ وَدُورَ التَّعْلِيمِ فِيِ بِلاَدِنَا – إِذَا تَآزَرَتْ أَخْرَجَتْ أَجْيَالاً صَالِحَةً مُصْلِحَةً، وَكُلٌّ لَهُ دَوْرُهُ، تَتَعَاضَدُ وَلاَ تَتَنَافَرُ، تَتَكَامَلُ وَلاَ تَتَدَابَرُ.

أَخِيرًا .. رِسالَتِي لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُعَلِّمَاتِ، أُمَنَاءِ فِلْذَاتِ أَكْبَادِنَا: الأَمَانَةَ الأَمَانَةَ، وَبَذْلَ الْوُسْعِ فِي تَعْلِيمِ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْجَمْعَ بَيْنَ الإِتْقَانِ وَالْجَوْدَةِ فِي التَّعْلِيمِ ، وَالْيُسْرِ وَالرِّفْقِ فِيهِ ؛ قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].

أَيُّهَا الْمُعَلِّمُونَ: إِنَّ الْحِمْلَ عَلَيْكُمْ كَبِيرٌ؛ فَتَذَكَّرُوا أَنَّكُمْ دُعَاةٌ إِلَى اللهِ، وَمُرَبُّونَ بِأَفْعَالِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ، وَأَنَّكُمْ سَوَاعِدُ بِنَاءٍ أَمَامَ مَعَاوِلِ هَدْمٍ كَثِيرِينَ؛ فَاحْتَسِبُوا الأَجْرَ عِنْدَ اللهِ، وَأَبْشِرُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى ثَغْرٍ عَظِيمٍ؛ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَن أَحسَنُ قَولًا مِمَّن دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّني مِنَ المُسلِمينَ﴾ [فصلت: 33].

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رَواهُ مُسْلِمٌ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ نَوِّرْ بَصَائِرَ أَبْنَائِنَا بِالْعِلْمِ، وَزَيِّنْ أَخْلَاقَهُمْ بِالْحِلْمِ، وَأَكْرِمْهُمْ بِالتَّقْوَى، وَجَمِّلْهُمْ بِالسِّتْرِ وَالْعَافِيَةِ، وَاجْعَلْ طَلَبَهُمْ لِلْعِلْمِ خَالِصاً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ .

اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ ، الْمَلِكَ سَلْمَانَ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَسَدِّدْهُمَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ ، وَجَمِيعَ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ .

اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَاهْزِمْ عَدُوَّنَا، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ .

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


شارك المحتوى:
0