ضعَّف الذهبي الحديث القدسي: “كنت سمعه الذي يسمع به”، مع أن البخاري صحَّحه بروايته له، فما الراجح؟


ضعَّف الذهبي الحديث القدسي: “كنت سمعه الذي يسمع به”، مع أن البخاري صحَّحه بروايته له، فما الراجح؟

 

يقال جوابًا على هذا السؤال: قد ضعَّف الذهبي في كتابه “ميزان الاعتدال” ما أخرج البخاري من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».

وقد اعتمد الذهبي في تضعيف هذا الحديث أنه مما تفرد به خالد بن مخلد القطواني، وأن مثله لا يقبل تفرّده.

والجواب على هذا أن يقال: إن الحديث لم يأتِ بحكمٍ جديدٍ حتى يشدد فيه، فغاية ما في الحديث إثبات المعية الخاصة لأولياء الله، وهذا ثابت في القرآن كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]

وقد أفاد ابن القيم –رحمه الله تعالى- في “مدارج السالكين” وفي غيره، أن الحديث دليل من أدلة المعية الخاصة، والمعية الخاصة ثبتت كثيرًا في القرآن وفي السنة.

إذن، لم يأتِ الحديث بحكم جديدٍ حتى يشدد فيه.

أما ثانيًا: فإن ابن عدي –رحمه الله تعالى- في كتابه “الكامل” ذكر أمورًا استنكرت على خالد بن مخلد القطواني، ولم يذكر منها هذا الحديث، ولو كان منكرًا لعدَّه ابن عدي –رحمه الله تعالى-.

وثالثًا: ليس في هذا الحديث ما قد يقال: إنَّ فيه زيادةً إلا إثباتُ التردد، كما قال في آخر الحديث: «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»، لكن يقال: إنَّ إثبات التردد بهذا المعنى لا إشكال فيه، وتدل عليه أدلة كثيرة، من كره المؤمن الموت، وحب الله لعباده المؤمنين المقتضي لكراهة إساءته فليس هناك إشكال، لاسيمًا قد ثبت عند ابن أبي شيبة عن حسان بن عطية: أنه أثبت التردد لله، وهو تابعي، وقد ذكر الدارمي في أواخر الرد على بشر المريسي: أن أقوال التابعين حجة، ويُعتمد عليها، لاسيما وكلام الدارمي في كتاب عقدي، وهو رده على بشر المريسي، فكلام التابعي حجة لاسيما فيما يتعلق بالاعتقاد.

ويتلخص من هذا الحديث أنه صحيح لأنه لم يأتِ بحكم جديد حتى يشدد فيه، ويؤكد ذلك أن ابن عدي –رحمه الله تعالى- لم يعُدَّ الحديث مما استُنكر على خالد بن مخلد القطواني، لذا صححه الإمام البخاري والعلامة الألباني.

وقد رأيت بعض أهل هذا العلم المعاصرين استنكر هذا الحديث؛ لأنه يدل على عقيدة الحلول، أو وحدة الوجود، وما ذكره خطأ قطعًا، لأن غاية ما في الحديث إثبات المعية بالمعنى الخاص، ولا يظنُّ أن إثبات المعية بالمعنى الخاص إثبات للحلول كما يظنه أهل الباطل.

أسأل الله أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا بما ينفعنا، وينفعنا بما علَّمَنا. وجزاكم الله خيرًا.

dsadsdsdsdsads

شارك المحتوى: