يقول السائل: أنا فلان، هناك كثيرٌ من الناس ينكرون استواء الله على عرشه، ولا يقبلون هذا، ويقولون: الله موجودٌ في كل مكانٍ، ما هو قول السلف الصالح في هذا؟ أعني استواء الله، وهل يجوز القول: الله موجودٌ بلا مكان؟ أرجو جوابًا على هذا.


يقول السائل: أنا فلان، هناك كثيرٌ من الناس ينكرون استواء الله على عرشه، ولا يقبلون هذا، ويقولون: الله موجودٌ في كل مكانٍ، ما هو قول السلف الصالح في هذا؟ أعني استواء الله، وهل يجوز القول: الله موجودٌ بلا مكان؟ أرجو جوابًا على هذا.

 

يقال: إن قول السلف هو القول الذي دل عليه كتاب الله، وسنةُ رسوله صلى الله عليه وسلام من أن الله مستوٍ على عرشه، قال الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وذكر الله الاستواء على العرش في القرآن في سبعة مواضع، وهذا واضحٌ بينٌ في القرآن، فإذا كان الله أثبت لنفسه الاستواء فيجب إثبات ذلك ما أثبته الله.

وللاستواء معانٍ ذكرها أئمة السنة من السلف، وجمعها بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية في “شرحه لحديث النزول”، وابن القيم رحمه الله تعالى في “نونيته”، وهي الكافية والشافية، وهي معانٍ أربعة:

المعنى الأول: العلو.

والمعنى الثاني: الاستقرار.

والمعنى الثالث: الصعود.

والمعنى الرابع: الارتفاع.

هذه معانٍ أربعة للاستواء، دلَّ عليها كلام السلف، ودل عليها اللغة.

إذن الإثبات للاستواء دل عليه كتابُ الله، وسنةُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه السلف، فلا يجوز لأحدٍ أن يخالف ذلك، وأن يؤوله إلى الاستيلاء كما يفعل ذلك أهل البدع كالأشاعرة وغيرهم، يقولون: استوى بمعنى استولى؛ لأمورٍ:

الأمر الأول: أن هذا مخالفٌ للفظ الشرعي، فإن اللفظ الشرعي جاء بلفظ الاستواء.

الأمر الثاني: أن كثيرًا من العلماء يقول: لا يصح لغةً أن يُنطق الاستواء بمعنى الاستيلاء.

الأمر الثالث: أنه لو صح لغةً إطلاق الاستواء بمعنى الاستيلاء؛ فإنه لا يصح في آيات الاستواء، لأن هناك أمرًا يمنع ذلك، وهو أن الاستيلاء يقتضي المغالبة، يعني كأن أحدًا كان مستوليَا، فجاء الله بعد ذلك، وأخذه منه، وهذا منتفٍ في حقِّ الله، وإثبات نقصٍ في حق الباري سبحانه وتعالى.

أما القول بأن: “الله موجودٌ بلا مكان”: فهذا خطأ، فإن اعتقاد أهل السنة أن الله موجودٌ في مكانٍ، وهو العلو، فوق المخلوقات، كما تواترت في ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، حتى ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في “الكافية والشافية” ألفي دليلٍ يدل على أن الله فوق مخلوقاته، ومن ذلك:

كل آيةٍ فيها ارتفاع الأشياء إلى الله، كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10].

ومن ذلك، قوله سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [الملك:16-17]، ومعنى “في” هنا بمعنى “على”، أي أنه فوق المخلوقات، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ[أكثر من موضع]، أي على الأرض.

ومن ذلك ما أخرج مسلم من حديث معاوية بن الحكم السُلمي، ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجاريةَ، أَيْنَ اللَّهُ ؟ قالت: فِي السَّمَاءِ))، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قال بعد ذلك في آخر الحديث: ((أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ))، إلى غير ذلك من الأدلة.

فيتلخص أن الله في مكانٍ، وهو العلو، أي فوق المخلوقات، وقد دل على أن الله فوق المخلوقات الأدلة من الكتاب والسنة، وقد تقدم ذكرهما.

وأيضًا الفطرة دلت على هذا، فإنه إذا اشتكى أحد رفع بصره إلى السماء، بل حتى البهائم إذا اشتكت رفعت أبصارها إلى السماء.

أما الأمر الرابع: وهو العقل: فقد ذكر أئمة السنة أن المكان مكانان: مكان علوٍ ومكان سفلٍ، ومكان العلو أجلُّ من مكان السُفل، والله له الأجلّ والأزكى، ولله المثل الأعلى.

والدليل الخامس على علو الله: إجماع أهل السنة، وقد تواتر في حكاية الإجماع جمعٌ من أهل السنة، وذلك أن كلَّ من كتب في الاعتقاد قرَّر هذه المسألة، والأصل فيما يُذكر في كتب الاعتقاد أنه مجمَعٌ عليه، فكلُّ من كتب من أئمة السنة قرَّر أن الله مستوٍ على عرشه، وأنه فوق مخلوقاته.

أسأل الله أن يفقّهنا في الدين، وأن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علّمنا، إنه الرحمن الرحيم، وجزاكم الله خيرًا.