يردد الليبراليون والمتأثرون بهم أن السلفيون حرفيون مع النصوص ، وأنهم لا يراعون تغير الزمن والأحوال؟


يقول السائل: كثيرًا ما يردِّد الليبراليون والعلمانيون والمتأثرون بهم: أن السلفيين حرفيون مع النصوص، وأنهم لا يراعون تغير الزمن والأحوال، وأن عمر بن الخطاب لم يقطع يد السارق، في عام المجاعة، وراعى تغير الأحوال؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: هذا كثيرًا ما يردده الليبراليون والعقلانيون والمتأثرون بهم كما قاله السائل، وهو سؤال مهم، لاسيما في هذا الزمن، لكثرة الذين يرددون مثل هذا.

وينبغي أن يعلم أن مثل هذا الكلام يردد كثيرًا إما بسبب الجهل أو بسبب الشهوة؛ وذلك أن صاحبه اعتقد أمرًا، وأراد أن يسوغ بعض الشهوات التي تشتهيها نفسه من الاختلاط وغير ذلك من التوسع في أمور محرمة، فاعتقد ثم أراد أن يستدل، وأن يخرج ذلك ببرهان ودليل.

وينبغي أن يعلم أن الأدلة الشرعية والمسائل الشرعية من حيث الجملة أقسام ثلاثة:

القسم الأول: مسائل لا تتغير، بل هي باقية، وأكثر هذه ترجع إلى المسائل العقدية.

فإن المسائل العقدية التي أجمع عليها سلف هذه الأمة، والتي دل عليه الكتاب والسنة لا تقبل التغير، كأن يعتقد أن الله في السماء، أو كإثبات أسماء الله وصفاته، على ما جاء في الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة، إلى غير ذلك من المسائل، فهذا القسم من المسائل لا يقبل التغير.

القسم الثاني: مسائل باقية على شرعيتها، لكن قد يستثنى من الأصل الذي شرعت له لعارض ولمصلحة راجحة، كأن تكون هناك ضرورة أو غير ذلك.

وذلك أن الدين قائم على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وذلك كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة:3]، ثم بعد ذلك ذكر: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119]، وقال سبحانه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [البقرة:173].

فإذًا، الأصل حرمة الميتة، ولا يُنتَقل عن هذا الأصل إلا لعارض أرجح، وهو الاضطرار، ومتى ما ذهب هذا العارض رجعنا إلى الأصل.

فإذا سأل سائل ما حكم الميتة؟ يقال: إنها حرام، لا يقال: إنها تجوز، وإنما يقال: هي حرام، فإذا كانت الحال حال ضرورة قال جاز لك لعارض، ومتى ما زال هذا العارض فيرجع إلى الأصل.

القسم الثالث: مسائل في ابتداء شرعيتها روعي فيها الأحوال والزمان وأعراف الناس وغير ذلك، فمثلًا ما يرجع إلى إكرام الضيف، وإلى باب الأيمان والنذور وما يتلفظ به الناس، هذا يرجع فيه إلى الأعراف، منذ أن شرعت.

وكذلك الجهاد، منذ أن شرع روعي فيه القوة والضعف، والمصلحة والمفسدة، لذا لم يشرع الجهاد في مكة؛ لأن المسلمين في ضعف، والجهاد يضر أكثر مما ينفع، وشرع في المدينة.

وعلى إثر هذا قال الإمام ابن جرير، ثم الإمام ابن تيمية، ثم الإمام ابن القيم: “إن آية السيف مشروعة في حال القوة، وآيات الصبر مشروعة في حالات الضعف”.

هذه الأقسام الثلاثة لا بد أن يفرق بينها، ولا يصح الكلام فيها إلا بعلم، وما كان ذا جهل فإنه سيخلط القسم الأول بالثاني والثالث وهكذا.

فإذا قالوا: إن عمر رضي الله عنه لم يقطع يد السارق في حال المجاعة، فيقال قطع يد السارق يرجع إلى القسم الثاني، والأصل أن تقطع، لكن تُرِك هذا الأصل لمصلحة راجحة.

وذلك كمثل ترك حرمة أكل الميتة لمصلحة راجحة وهي الاضطرار، فمتى ما وجدت المصلحة الراجحة تُرِك هذا، وهو خلاف الأصل مع الإقرار بأن السرقة حرام، وأنه يجب أن تقطع اليد، لكن ترك هذا لمصلحة راجحة.

إذا عُلمت هذه الأقسام الثلاثة، عُلِم خطأ الليبراليين والعلمانيين وأمثالهم من العقلانيين ومن تأثر بهم، فهم يدعون إلى الانحلال، في باب الشهوات، و في ترك كثير من الأحكام الشرعية، ويزعمون أن دين الله هكذا، وأنه لا يوجد في الشريعة ما يوجب هذا الأمر وهكذا…، فهو لا يقول: إن هذا الأمر محرم، لكن ترك لمصلحة راجحة على افتراض أنها مصلحة راجحة، وإنما ينازع في أصلها، فلابد أن يُفرَّق في أمثال هذه الأمور.

وكثير منهم يتحجج بقوله: إن هذا فهمك، ولسنا ملزمين بفهمك، مع أن الأدلة منصوصة وظاهرة غاية الظهور، ومع ذلك يقول: هذا فهمك، ولسنا ملزمين بفهمك.

ويقال أيضا: ينبغي أن يعلم أن الأحكام الشرعية من حيث الجملة نوعان:

نوع لا يقبل الاجتهاد؛ لأن الأدلة صريحة فيه، ولأن السلف مجمعون عليه.

والنوع الثاني مسائل تقبل الاجتهاد، ومن أراد أن يجتهد فلا يخرج عن إطار اجتهاد أهل العلم.

وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا على قولين، فلا يجوز أن يحث قولًا ثالثًا؛ لأن هذا مخالف لإجماعهم، وذلك أنه لما اختلفوا على قولين أجمعوا على أن الحق في أحد هذين القولين، هذه أصول علمية وثوابت قطعية، مَن عَلِم العِلْمَ الشرعي عرفها، وعلم حقيقتها، وهذا ما لا يعرفه كثير من الليبراليين والعقلانيين.

وللأسف أن كثيرًا منهم يظن أن معنى الليبرالية الثقافة، وأنها معيار ودليل على الثقافة، فلذلك يخوض هذه البحار الصعبة من غير معرفة ولا بيان، فيغرق فيها، وأول ما يضر نفسه بأن أفسد دينه، وتكلم في دين الله بغير حق، ثم بعد ذلك ينتقل إلى التعصب والإصرار على الدعوة إلى باطله، فيهلك نفسه ويهلك من فُتن به وصدَّقه.

إذا عُرف هذا عرف أن السلفيين أتباع الكتاب والسنة وفهم سلف هذه الأمة الذي هو الإسلام الحقيقي والإسلام الصافي، ليسوا حرفيين على الإطلاق، وليسوا أيضًا تاركين الحرفية على الإطلاق، فهم يفصلون في هذا على ما تقدم ذكره، وهذا جواب أذكره مختصرًا لما يناسب الحال، لكن أظن أنه مفتاح لفهم هذه المسائل.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما يَنْفَعَنَا، وأن يَنْفَعَنَا بما عَلَّمنا، وجزاكم الله خيرًا.