وقفاتٌ مع آية الحقوق العشرة


 

الخطبة الأولى

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما، أما بعد:

فقد قال الله تعالى: ‌{واعبدوا ‌الله ‌ولا ‌تشركوا ‌به ‌شيئًا ‌وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إنّ الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا}.

آيةٌ عظيمةٌ اشتملت على حق الله تعالى وحقوق عباده، يطلق عليها أهل العلم “آية الحقوق العشرة”، افتتحها تبارك وتعالى بالأمر بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته، كما قال رسول الله –  صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: «يا معاذ، تدري ما حق الله على العباد؟ وما ‌حق ‌العباد على الله؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» رواه البخاري ومسلم.

فحق الله تعالى أعلى الحقوق وأعظمها وأحقها بالتقديم، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك الوالدان؛ فإنهما أحق الناس بحسن الصحبة، فقد جاء رجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم –  فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» رواه البخاري ومسلم. وقد قرن سبحانه بين حقه تعالى وحق الوالدين، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وقوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.

ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسانَ إلى القرابات من الرجال والنساء. وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إنّ الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن ‌أصل ‌من ‌وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك ” ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: اقرءوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} رواه البخاري ومسلم. وليست الصلة أن تصل من وصلك، بل الصلة أن تصل من قطعك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري، وقال رجل لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله! إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: «لئن كنت كما قلت، فكأنما ‌تسفهم ‌المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم، وفي الحديث تشبيهٌ لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد من الألم، ولا شيء على المحسن إليهم، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه.

وتكون صلة الرحم بإيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، ومن ذلك: الصدقة على المحتاج منهم وإعانته، كما تكون بطلاقة الوجه وبالدعاء لهم والسلام عليهم.

ثم أوصى تبارك وتعالى باليتامى، وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم.

ثم قال تعالى: {والمساكين} وهم المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم.

ثم أوصى تبارك وتعالى بالجار، فقال سبحانه {والجار ذي القربى}، وهو الجار الذي بينك وبينه قرابة، وقال تعالى {والجار الجنب} أي: الذي ليس بينك وبينه قرابة؛ فإنّ الجيران – معاشر المسلمين – ثلاثةٌ: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فأما الذي له حق واحد فجارٌ مشركٌ لا رحم له، فله حق الجوار. وأما الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار. وأما الذي له ثلاثة حقوق، فجار مسلم ذو رحم، فله حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم.

ثم قال تعالى: {والصاحب بالجنب}، وهي المرأة، وقيل المراد: الجليس في الحضر، والرفيق في السفر. ولكلٍ منهم حقوقٌ جاءت الشريعة بالأمر بها، والحث على أدائها.

ثم قال تعالى: {وابن السبيل}، وهو المارّ المجتاز في السفر؛ فإنّ الله – عز وجل – قد أوصى بالإحسان إليه.

ثم ختم تعالى أصحاب هذه الحقوق بالأرقاء، فقال سبحانه {وما ملكت أيمانكم}؛ لأنهم ضعفاء الحيلة أسارى في أيدي الناس، ولهذا ثبت أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جعل يوصي أمته في مرض الموت يقول: “الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم”، فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه.

بارك الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، وقوموا بما يجب عليكم من حق الله تعالى ومن له حقٌ من العباد، واتقوا النار التي أعدت لمن أهمل الواجبات وارتكب الفساد.

واعلموا أنّ الذي يقوم بهذه الحقوق هو الخاضع لربه، المتواضع لعباد الله، المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل، ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، غير منقاد لأوامره، ولا متواضع للخلق، بل هو متكبر على عباد الله معجب بنفسه فخور بقوله، ولهذا ختم سبحانه الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فخورًا}.

وصلوا وسلموا – رحمكم الله  – على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: (إنّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) اللهم صل وسلم على يا رب العالمين، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر أعداء الدين.

اللهم احفظ ولاة أمرنا، ووفقهم بتوفيقك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم صالحًا في رضاك، اللهم هيء لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا رب العالمين.

اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود والثغور وفي الداخل يا قوي يا عزيز.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم.

والحمد لله رب العالمين.

 

أعدها: بدر بن خضير الشمري، للملاحظات يرجى التواصل عبر الرقم:00966533646769


شارك المحتوى: