من صور الرحمة في الإسلام


الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أرسل رسوله بالهدى والرحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله، كتب على نفسه الرحمة، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الرحماء فيما بينهم، أما بعد:
معاشر المؤمنين:
إنّ الرحمة في الإسلام لها شأنٌ عظيم: اتصف ربنا تبارك وتعالى بها، وكتبها جلّ وعلا على نفسه، وكتب سبحانه كتابًا فهو عنده فوق العرش: إنّ رحمتي سبقت غضبي، وأنزل تبارك وتعالى كتابه رحمةً للمؤمنين، كما قال تعالى: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدًى ورحمة للمؤمنين)، وبسببها أرسل رسوله محمدًا – صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، وقال سبحانه: (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم).
معاشر المؤمنين:
لقد تجلت الرحمة في حياة رسولنا – صلى الله عليه وسلم – ظاهرة، وجاءت بها سنّته متكاثرة متضافرة. ومن صور تلك الرحمة:
رحمة الوالدين، وهما من ضربا أعمق وأعظم صور الرحمة بأولادهما، فلا شك أنهما يستحقان مقابلتهما بالرحمة والإحسان إليهما والعطف عليهما، قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا)، وهما أحق الناس بحسن الصحبة، فقد جاء رجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» رواه البخاري ومسلم.
ومن صور الرحمة: رحمة الوالد بولده، وقد جاء أعرابي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أوَ أملك لك أن ‌نزع ‌الله من قلبك الرحمة» رواه البخاري، ومن الرحمة بهم: أمرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى، وحملهم عليه، وتعليمهم ما يحتاجونه من أمر دينهم ودنياهم.
ومن صور الرحمة – معاشر المؤمنين -: رحمة الزوج بزوجته، وقد كانت سيرة نبينا – صلى الله عليه وسلم – مع أزواجه حسن المعاشرة وحسن الخلق، وكان يحثّ على ذلك، فقال – صلى الله عليه وسلم -: (خيركم ‌خيركم ‌لأهله، وأنا خيركم لأهلي) صححه الألباني، ووصّى– صلى الله عليه وسلم – بالنساء، فقال «‌استوصوا ‌بالنساء؛ فإنّ المرأة خلقت من ضلع، وإنّ أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» رواه البخاري ومسلم.
وقال – صلى الله عليه وسلم -: (إني أحرّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) حسنه الألباني.
ومن صور الرحمة أيضًا: الرحمة بالأقارب عمومًا؛ فإنّ الله – عز وجل – قد قال كما في الحديث القدسي: (أنا الرحمن ‌خلقت ‌الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته) صححه الألباني.
وليست الصلة أن تصل من وصلك، بل الصلة أن تصل من قطعك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري، وقال رجل لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله! إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: «لئن كنت كما قلت، فكأنما ‌تسفهم ‌المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم، وفي الحديث تشبيهٌ لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد من الألم، ولا شيء على المحسن إليهم، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه.
وتكون صلة الرحم بإيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، ومن ذلك: الصدقة على المحتاج منهم وإعانته، وطلاقة الوجه والدعاء لهم والسلام عليهم.
ومن صور الرحمة: رحمة المؤمنين بعضهم ببعض؛ فإنّ الله عز وجل قد وصفهم بقوله: (أشداء على الكفار رحماء بينهم)، وقال – صلى الله عليه وسلم -: «‌المسلم ‌أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» رواه البخاري ومسلم.
بارك الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: أيها المسلمون:
اجتهدوا في سؤال الله أن يرحمكم، فقد كان ذلك دأب نبيكم – صلى الله عليه وسلم -، واحرصوا على أسباب نيل رحمة الله تعالى، واعلموا أنّ من أهم تلك الأسباب: رحمة عباد الله؛ فإنّ الجزاء من جنس العمل؛ لذا فقد قال – صلى الله عليه وسلم -: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (من لا يَرحم لا يُرحم) رواهما البخاري ومسلم، وقال – صلى الله عليه وسلم – (لا تُنزع الرحمة إلا من شقي) حسنه الألباني، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) صححه الألباني.
وصلوا وسلموا – رحمكم الله – على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: (إنّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) اللهم صل وسلم على يا رب العالمين، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر أعداء الدين.
اللهم احفظ ولاة أمرنا، ووفقهم بتوفيقك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم صالحًا في رضاك، اللهم هيء لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا رب العالمين.
اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود والثغور وفي الداخل يا قوي يا عزيز.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً؛ إنك أنت الوهّاب.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم.
والحمد لله رب العالمين.
أعدها: بدر بن خضير الشمري، للملاحظات يرجى التواصل عبر الرقم:00966533646769


شارك المحتوى: