مع بكاء النبي -صلى الله عليه وسلم-


إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاْ تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأنتُمْ مُسلِمُونَ )
أما بعد : عباد الله :إن المتأمل لأحوال الناس ليجد قسوة في القلوب ، ورقة خوف من علام الغيوب ،وما ذاك الا لما يحيط بها من المؤثرات والغفلة والتي رانت على القلوب ، ألا وإن من أعظم ما يرقق القلب هو البكاء .
وليس البكاء مصدر ضعف ، فإن الله تعالى قال مادحاً رسله بالبكاء 🙁 اذا تتلى عليهم ايات الرحمن خروا سجدا
وبكيا )
ومثنيا على عباده المؤمنين، البكائين تأثرا بكلامه سبحانه
🙂 وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا )
وأما البكاء فيما عدا ذلك فإنه مباح بشرط ألا يصاحبه ما يدلُّ على التسخُّط من قضاء الله وقدره ، لقول النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم : ” إنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ بدمعِ العينِ ولا بحزنِ القلبِ ، ولكن يُعَذِّبُ بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحمُ “
نقف اليوم على جانب من حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم ومشهدا ًمن مشاهدها ، يكون الجالب له الرحمة والشفقة على الآخرين ، والشوق والمحبّة ، وفوق ذلك كلّه : الخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى ، مرققا لقلوبنا ودارا لدموع أعيننا .
نبكي فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائل : ( ابك على خطيئتك ) لنبكي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ( سبعة يظلهم الله تبارك وتعالى بظله يوم لا ظل الا ظله . ( عينان لا تمسهما النار وعين
بكت من خشية الله )
كان النبي صلى الله عليه وسلم رقيق القلب يبكي اذا سمع القرآن الكريم ، قال مرة لابن مسعود: ” اقْرَأْ علَّي القُرآنَ ” فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء ، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية : { فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً } قال ” حَسْبُكَ الآن ” فَالْتَفَتَّ إِليْهِ ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ . رواه البخاري ومسلم . قال ابن بطال : وإنما بكى – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عند هذا لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة ، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه والإيمان به )
وبكى – صلى الله عليه وسلم – رحمةً بأمّته وخوفاً عليها من عذاب الله ، يوم قرأ قول الله عز وجل :(إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ، رفع يديه وقال 🙁 اللهم أمتي أمتي وبكى ) فقال الله عز وجل « يا جبريل اذهب الى محمد وربك اعلم فسله ما يبكيك ؟» فأتاه جبريل عليه السلام فسأله ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع الى ربه وهو اعلم فقال : « يا جبريل اذهب الى محمد فقل : انا سنرضيك في امتك ولا نسوؤك » فأي قلب يحمله في صدره وبين أضلعه صلى الله عليه وسلم وهو الذي يبكي جزعاً وحزناً على امته يوم القيامة من ان يكونوا من اهل النار .
وتروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها موقفاً آخر فتقول 🙁 قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليلةً من الليالي فقال :(يا عائشة ذريني أتعبد لربي ، فتطهّر ثم قام يصلي ، فلم يزل يبكي حتى بلّ حِجره ، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ لحيته ، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض ، وجاء بلال رضي الله عنه يؤذنه بالصلاة ، فلما رآه يبكي قال : يا رسول الله ، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال له : (أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ لقد أنزلت علي الليلة آية ، ويل لم قرأها ولم يتفكر فيها ! { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ … الى آخر الآية} رواه ابن حبان ، وصححه الألباني ولم تكن حياته صلى الله عليه وسلم صفوا فهو كسائر البشر مات اقاربه وقتل بين يديه أصحابه ، فكانت حاله أكمل حال ، بكى صلى الله عليه وسلم رحمة وشفقة
واستسلم لقضاء الله وقدره .
دخل على سعد بن معاذ يوم الخندق يتغشاه الكرب والألم بسبب نزيف الدم الذي حصل له ، فبكى صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى القوم بكاء النبي بكوا فقال 🙁 ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا – وأشار إلى لسانه – أو يرحم وإن الميت
يعذب ببكاء أهله عليه )
وبعد غزوة أحد يخرج صلى الله عليه وسلم يلتمس عمه أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فيجده قتيلا ببطن الوادي قد مثل به فبقر بطنه عن كبده وانفه وأذناه مقطوعتان فبكى صلى الله عليه وسلم ، قال ابن مسعود : ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب ، وضعه فى القبلة ثم وقف على جنازته ، وانتحب حتى نشع من البكاء ( أي شهق ) .
ولا ينسى اليتيم صلوات ربي وسلامه عليه حنان الأمومه فيستأذن ربه زيارة قبر أمه فيؤذن له وينهى عن الاستغفار لها ، فيأتي قبرها فيبكى بكاءً شديداً حتى أبكى من حوله
، ثم يقول :(زوروا القبور فإنها تذكر الموت ).
يقبض فلذت كبده إبراهيم فيبكي صلى الله عليه وسلم
وقال :(إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما
يُرضي ربنا ،وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون )
عباد الله : ومع اخوة الدين ورفقاء الدرب وصحاب الحلو والكدر تتجلى مواقف لا يملك الصحاب فيها مدامعهم ، ففي قصة تقسيم الغنائم يوم حنين عتب عليه الأنصار فأتاهم في منازلهم مبينا لهم أنه إنما أعطاها أولئك تألفا لهم ، أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم الشاة والنعم والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: أجيبوني أفلا تقولون : جئتنا خائفا فآمناك ، وطريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك . فقالوا : بل المن علينا لله ولرسوله والفضل علينا وعلى غيرنا ثم بكوا فكثر بكاءهم فبكى النبي صلى الله عليه وسلم .
وها هو الداعية الأول لمحمد صلى الله عليه وسلم مصعب والذي كان بمكة في ثروة ونعمة فلما هاجر صار في قلة ، بقول علي : بينما نحن في المسجد إذ دخل علينا مصعب بن
عمير وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفروة فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رآه للذي كان فيه من النعم والذي هو فيه اليوم .
اقول ماسمعتم واستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية :
الحمد لله وحده والصلاة على من لانبي بعده : ومع الأوضاع الساخنة لإخواننا المسلمين وما يحصل لهم من قتل وتضييق ومصائب وابتلاءات، من تسلط ومؤامرات الكافرين عليهم، نتذكر ما كان لنبينا ، فإن هذا الحزن والألم قد أصابه صلى الله عليه وسلم في أصحابه في مواطن كثيرة، فما وَهَنَ من عزيمته، وما فتَّ في عضده .
ففي غزوة بدر دمعت عينه – صلى الله عليه وسلم – خوفاً من أن يكون ذلك اللقاء مؤذناً بنهاية المؤمنين وهزيمتهم على يد أعدائهم ، كما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله :(ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح )
جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث
معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار شببة، يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام .. فبعثوا حرامَ بن ملحان بكتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّ الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعن حرامًا بالحربة من خلفه، ثم لحقوا ببقية السبعين فعرضوا لهم فقتلوهم )،
حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، وتأثر لمقتل أصحابه رضي الله عنهم في بئر معونة تأثراً كبيراً، حتى قال أنس رضي الله عنه :(فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (وجَدَ – حزن- على شيء ما وجد عليهم( رواه البخاري
وفي مؤتة يلتقي الفريقان، ويبدأ القتال المرير ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ـ مخبراً بالوحي، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال‏:‏
أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وإن عيني رسول الله لتذرفان ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له . هذه جانب من حياته وطرف من سيرته فهل ترانا اليوم ونحن نزعم حبه صلى الله عليه وسلم نبكي اذا ذكر ، من الناس من يبكي على ضياع دنيا من مال أو وظيفة ، ومنهم من يبكي على فراق قريب ونحن لانثرب عليهم ، إلا أنه لا عذر ابداً لمن بكى لكل ذاك ولا يبكي لما بكى له ومنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كم منا من يتأثر ويبكي لهزيمة ناديه الرياضي ، ولا يحرك ساكنا لمقتل مئات بل ألوف من إخوانه المسلمبن .
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب اسلام وإيمان
عباد الله:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه امهات المؤمنين والصحابة اجمعين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ،
، اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ
نَسْأَلُكَ فَرَجًا مِنْ عِنْدِكَ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي حَلَبَ
وَفِي سَائِرِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَفِي كُلِّ بَلَدٍ يُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ دِينِكَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ كَرْبَهُمْ، وَارْحَمْ ضَعْفَهُمْ، وَاجْبُرْ كَسْرَهُمْ، وَتَوَلَّ أَمْرَهُمْ، وَأَدِرْ دَوَائِرَ السُّوءِ عَلَى أعدائك وأَعْدَائِهِمْ.
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْبَاطِنِيِّينَ وَالصَّلِيبِيِّينَ وَمَنْ عَاوَنَهُمْ عَلَى
ظُلْمِهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اخْضُدْ شَوْكَتَهُمْ، وَشَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَارْفَعْ أَمْنَهُمْ، وَأَعِدْهُمْ إِلَى ذُلِّهِمْ وَهَوَانِهِمْ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى ،وانصر به دينك واقهربه عدوك يا رب العالمين ، اللهم مجري السحاب هازم الأحزاب اجعل الدائرة لعبادك المرابطين على ثغور بلاد الحرمين , اللهم انصر جنودنا عسكر الإسلام والسنة ، اللهم قوِّ عزائمهم , وصوِّب رميهم , وأمدهم بمدد من عندك , اللهم اشف مريضهم , واجبر كسيرهم, ويسِّر عسيرهم , ومنَّ عليهم بفتح مبين .
اللهم تابع علينا خيراتك، اللهم اجعل ما أنزلته صيبا نافعاً، وعطاء مشفوعاً برضى، اللهم وزدنا بغيثك المدرار ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا، سحا طبقاً، عاجلاً غير آجل، تسقي به البلاد وتنفع به العباد، وتجعله زاداً للحاضر والباد يا ذا الجلال والإكرام
وقوموا الى صلاتكم .