رسالة إلى كل من تزبب قبل أن يتحصرم


رسالة إلى كل من تزبب قبل أن يتحصرم

إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لـه، ومن يضلل فلا هادي لـه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله r.

قال الله تعالى: } وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً {. [الإسراء: 36 ].

قال فخر الدين الرازي الشافعي في “التفسير الكبير” (20/166):

“فقوله وَلاَ تَقْفُ أي ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به من قول أو فعل وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً”.

وقال الشنقيطي في “أضواء البيان” (3/145):

“نهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم”

وقال الأزهري في كتابه”الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي” (ص/422):

“أي لا تقولن في شيء ما لا تعلم يقال قفوت الشيء اقفوه قفوا إذا اتبعت أثره، فالتأويل لا تتبعن لسانك من القول ما ليس لك به علم وكذلك من جميع العمل”.

وقال ابن منظور في “اللسان” (15/194):

“أي لا تتبع ما لا تعلم”.

وقال تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ {. [المائدة: 101].

قال ابن عطية في “المحرر الوجيز” (2/246):

“قال ابن عباس معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء”. وذكره الثعالبي في “تفسيره” (1/492).

وقال ابن كثير في “تفسيره” (2/105):

“هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم سماعها”. انتهى.

والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فهذه المقدمة التي وضعتها بين يديك؛ أردت بها تنبيه كل متسائل عن شيء لا يخصه، أو بعبارة أخرى: لا ينتفع من معرفته بشيء، ولا يضره الجهل به.

فقد وردت أسئلة واستفسارات من هنا وهناك، وأكثرها من خارج البلاد “السعودية” حرسها الله تعالى، وبعضها من خارج الدول العربية والإسلامية أيضاً، مضمونها:

ما حكم الانتخابات التي تقام في “المملكة العربية السعودية”؟

ونحن نقول الله أعلم بمراد أصحابها، ولكن لنا وقفات مع هذا التساؤل.

الوقفة الأولى:

أوجه سؤالي لهؤلاء الذين هم خارج بلادنا “السعودية” ـ حماها الله من كل سوء ـ.

ما الذي تردونه من وراء هذا التساؤل؟

أهو حب للديار السعودية؟

فإن كان كذلك؛ فليس من صفات المحب أن يثير البلبلة في بلاد التوحيد وفي هذا الوقت بالذات، الذي نحن أحوج إلى التلاحم والتكاتف والتعاون؛ فيه اليوم أكثر من غيره.

أم هو لمعرفة الحكم الشرعي لهذا العمل؟

فإن كان هذا هو المراد، فنقول:

اسأل عن مثل هذا الحكم في بلدك وخذ آراء علمائك،وإن لم تجد فالصمت لك أوجب.

أما نحن فعندنا من العلماء الأفاضل ما يكفينا عن سواكم، يا أصحاب القلاقل والزوبعات.

أم هو من باب تهييج النفوس الضعيفة المريضة، لإثارة الفتن، وإذكاء نار الفتنة؟

فإن كان هذا هو الحامل للتساؤل فنقول:

كفى يا أهل الثرثرة والقيل والقال وكثرة السؤال، والتنقيب والبحث فيما لا ينفع؛ بل يضر، وأي ضرر أكبر من إيقاد نار الفتنة بين الشعوب وولاتها، بين الراعي ورعيته.

الوقفة الثانية:

أتساءل!!

هل هذه البلاد “السعودية”؛ هي أول دولة تُقْدِم على مثل هذا العمل؟!

أم هي الدولة الوحيدة التي أقدمت على هذا؟!

الجواب معلوم، لا هذه ولا تلك.

فإن كان كذلك، فلِمَ هذا التفاعل عندما قامت دولتنا “السعودية” بهذا الإصلاح، ولم نشاهد هذا التفاعل وهذا الحماس عندما أقدمت بعض الدول على الانتخابات الـ …، و الـ ….

بل وكان في مقدمة المرشحين والمنتخبين على حد سواء ـ في تلك الدول ـ أعضاء “فرقة الإخوان المسلمين” ؟!

حرام على ….. …… حلال للطير من كل جنس

واللبيب بالإشارة يفهم !!

الوقفة الثالثة:

أوجه هذا الوقفة لإخواني في بلادي”السعودية” ـ بلاد التوحيد ـ حماها الله من كيد الكائدين، ومن حسد وحقد الحاقدين، فأقول كما قال الحكيم من قبل: “السعيد من اتعض بغيره”.

فلا تغرينكم أقاويل المتقولين، فإن ظاهرها الرحمة، وباطنها فيها العذاب.

فلمثل هؤلاء الناعقين المدعين للحب والنصح لنا ولبلادنا؛ قولوا نحن لدينا من الرجال الأكفاء من علماءٍ وحكامٍ، ورعية ما يكفي ويغني لتسيّير السفينة إلى بر الأمان بحول الله وقوته.

فالعلماء عندنا حكماء يعرفون كيف يناصحون ولاة الأمر إن وقع خطأ وزلل، وفق منهج السلف في التعامل مع الحكام، وليس على منهج الخلف اليوم؛ المهيّجين والمثيرين للفتن من غير إصلاح ولا نتيجة مثمرة.

فأرجو من إخواننا في بلادنا “المملكة العربية السعودية” أن يتنبهوا للأعداء في الداخل والخارج، الذين يثيرون مثل هذه المواضيع؛ زعماً منهم أنهم حماة العقيدة.

وسواء الانتخابات مشروعة أو غير مشروعة، فالذي يقرر ذلك هم أهل العلم، العارفين بما يقولون وبما يُفتون؛ متى وكيف !!

واختم كلمتي هذه بقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). متفق عليه.

وروي من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: ( الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) رواه الرافعي، وهو ضعيف، ومعناه صحيح.

ويشهد له ما أخرجه نعيم بن حماد في “كتاب الفتن” عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ” أن الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها، لا يحل لأحد أن يوقظها، ويل لمن أخذ بخطامها”. ذكره العجلوني في “كشف الخفاء” (2/1108).

كتبت هذا نصحاً في الدين، وحماية لبلادنا ووحدتنا وتلاحمنا من الفُرقة؛ التي ابتليت بها بعض المجتمعات ولسنا نسي أحداً بعينه، فالحر تكفيه الإشارة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،،،،،،،

وكتبه

جمال بن فريحان الحارثي

7/1/1426هـ