رد على سلمان العودة في أصل الدين وهو إفراد الله سبحانه بالدعاء‎


رد على سلمان العودة في أصل الدين وهو إفراد الله سبحانه بالدعاء‎

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:فقد اطلعت على المقال المنشور بجريدة عكاظ يوم السبت6/2/1433هـ العدد رقم (3849) للدكتور سلمان بن فهد العودة ،بعنوان (أقدار الحسنة والسيئة) وقد تضمن عبارة قد يفهم منها معنى يخدش في التوحيد ويقرر الشرك ولم يعقب عليها الدكتور باستنكار ولا توجيه مع مسيس الحاجة إلى ذلك ، ورأيت من الواجب الكتابة فيها بيانا للحق ونصحا للمسلمين ، وأسوق عبارة الدكتور وهي قوله : (كان مسافرا للعمرة، ومر على جاره يسأله: هل من وصية من المدينة النبوية؟ خرج الجار يشيعه إلى الباب المتهالك بحفاوة، وهمس في أذنه أن سلِّم لي على رسول الله، وأخبره بما رأيت من حال منزلي، ورثاثة أثاثي، وفقري.. وقل له يدعو لي حين آب الرجل من سفره بادره بالسؤال عما جرى، فقال له: قد استحييت أن أحدثه بشيء من وصيتك لأني وجدت بيتك أحسن حالا من حجراته، وقد صبر فيها على شظف العيش حتى لقي ربه وما شبع من خبز الشعير …)

وهذا الكلام إن كان يقصد به طلب الدعاء بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر منه؛ فإنه أمر منكر قد جاءت الشريعة بتحريمه والحكم عليه بأنه من الشرك ، كما قال تعالى : (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا) وقال تعالى ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) وقال سبحانه (ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير) فبين سبحانه وتعالى أن جميع من يدعى من دونه لا يسمعون دعاء من دعاهم أو ناداهم ، وأنه على تقدير سماعهم لهم فإنهم لا يستجيبون لهم لأنهم عاجزون عن تقديم النفع لأنفسهم فضلا عن غيرهم، وبين جل وعلا أن من يُدعون من دون الله يتبرؤون يوم القيامة من الداعين ويكفرون بدعائهم الذي سماه الله تعالى شركا ، وهذا من أصرح الأدلة على أن من دعا غير الله من الأموات أو الغائبين أو استغاث بهم أو طلب منهم الدعاء أو الشفاعة فهو مشرك.

وبهذا جاءت السنة المطهرة ففي الحديث الصحيح المشهور المتضمن وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس (احفظ الله يحفظك … إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله …) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأُبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا.

وقال صلى الله عليه وسلم ( إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ) حديث حسن وله شواهد ، وقال صلى الله عليه وسلم : (الدعاء هو العبادة) والأدلة في هذا كثيرة ومتواترة تواترا معنويا تؤكد على وجوب إخلاص العبادة لله تعالى وإفراده وحده سبحانه بالدعاء .

فلا يجوز للمسلم أن يقول لآخر إذا أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقل له يدعو لي أو اطلب منه أن يشفع لي أو غير ذلك لأنه لجوء إلى غير الله تعالى، وهذه عبادة والعبادة هي حق الله على العباد فلا يدعى غير الله ولا يستغاث بغيره ، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أ‘لم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنما إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون).

ومما يؤكد هذا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متفقون على أنه لا يطلب من الرسول شيء بعد مماته ولهذا لم يأته أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقت خلافته ولا عمر الفاروق ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم من خيار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وهم خير القرون وقدوة المسلمين ، وهكذا التابعون لهم بإحسان ساروا على منهج التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى ، وهاهنا قصة عظيمة ومهمة عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذريته حول هذه القضية التي أتحدث عنها وقعت هذه القصة في زمن التابعين فقد أخرج ابن أبي شيبة في “المصنف” (2/375) عن علي بن الحسين ، أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فدعاه ، فقال : ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي ، عن جدي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم وتسليمكم يبلغني حيث ما كنتم.وأخرجه أبو يعلى الموصلي في “مسنده” (6761)عن الحسن بن علي بن أبي طالب بنحو ذلك ، وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في “المصنف” (3/71) عن الحسن بن الحسن بن علي، قال: رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني”، وأخرج إسماعيل بن إسحاق القاضي في “فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم” رقم30 عن سهيل قال: جئت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وحسن بن حسين يتعشى في بيت عند النبي فدعاني فجئته فقال: ادن فتعش قال: قلت: لا أريده قال: مالي رأيتك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صلوا في بيوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله يهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم” وأخرج ابن عساكر في “تاريخه(13/62) من طريق الليث بن سعد ، حدثني ابن عجلان عن سهيل وسعيد بن أبي سعيد مولى المهري عن حسن بن علي بن أبي طالب أنه قال ورأى رجلا وقف على البيت الذي فيه قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعو له ويصلي عليه فقال حسن للرجل لا تفعل فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : ” لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني” . وثبت عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ).

فكل هذه النصوص وغيرها يدل على إجماع الصحابة والتابعين على تحريم طلب الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته وأن هذا من أسباب اتخاذ القبر عيدا وهو عين المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم الذي نهى عن ذلك .

ولهذا آمل أن يتنبه إخواني المسلمين إلى المحافظة على عقيدتهم والحذر كل الحذر من الشرك وأسبابه المفضية إليه ، وأسأل الله تعالى أن يوفق الدكتور سلمان بن فهد العودة لبيان الحق وإيضاحه في أجل الأمور وهو إخلاص العبادة لله تعالى وأن يشرح صدره للحق ويعيذه من الشر والفتن ما ظهر منها وما بطن .

كما أسأل الله تعالى أن يوفق جميع المسلمين للزوم التوحيد والسنة ، وأن يجمع كلمتهم على الحق وأن يصلح أحوالهم ويصلح قادتهم ، ونسأل الله جلت قدرته أن يوفق ولاة أمورنا لكل خير وأن ينصر بهم دينه ويعلي بهم كلمته وأن يمكن لهم في الأرض لنشر التوحيد والسنة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه:د. فهد بن سليمان بن إبراهيم الفهيد

الأستاذ المشارك بقسم العقيدة بكلية أصول الدين بالرياض في 6/2/1433هـ