خطبة عن الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكيفية نصرته


خطبة عن الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكيفية نصرته:
جمع وإعداد: فايز بن مساعد الحربي
الحمد لله القائل{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، جعل الله الشهادة له بالعبودية والرسالة قرينة للشهادة به سبحانه فكانت هي الركن الأول من أركان الإسلام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، فإننا في زمن كثرت فيه الفتن، ومن تلك الفتن ما صدر وما يصدر من أعداء الله ورسوله من المشركين واليهود والنصارى والمنافقين وأصحاب الشهوات والشبهات من سبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} وهذا الفعل ليس مستغربا منهم، فمنذ أن بعث الله جل وعلا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وأعداؤه ينالون منه ومن رسالته فالمشركون وعبدة الأوثان ينالون منه انتصارا لأصنامهم وأوثانهم، حيث وصفوه بأنه مجنون{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)} ووصفوه بأنه شاعر {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} ووصفوه بأنه ساحر كذاب{ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} وهذه الأوصاف وغيرها أوصاف اخترعوها من عند أنفسهم إنما تليق بهم هم ولا تليق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما أهل الكتاب فهم يعلمون انه رسول الله يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإنما حملهم على سبه وتنقصه الحسد {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وهكذا المنافقون عندما اظهروا الإسلام خديعة {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} آذوه صلى الله عليه وسلم {وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
عباد الله:
كل هؤلاء لن يضروا الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يضرون أنفسهم، فالرسول رفع الله درجته وأعلى منزلته قال تعالى{وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} وهو الشفاعة العظمى التي يحمده عليه الأولون والآخرون يوم القيامة ، والله جل وعلا رافع ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم رغم أنوفهم{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ* وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} وهو سبحانه متوعد مبغض الرسول صلى الله عليه وسلم بالقطع والبتر { إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} وهاهو ذكره صلى الله عليه وسلم محمود عند الله وعند خلقه حيا وميتا، باق مرفوع إلى أن تقوم الساعة، أما هم فقد لحقهم الخزي وقطع الذكر في الدنيا والآخرة.
ولقد بعث الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في مكة ودعا إلى الله سرا خشية من أذى المشركين في أول أمره، ثم أمره الله سبحانه في الجهر بالدعوة علانية، وضمن له الحماية{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) } وقد وقع وعد الله تعالى فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة، وهذا هو التأريخ شاهد، فما من مستهزء به صلى الله علي وسلم إلا أذله وأخزاه وقطع ذكره، أين أبو لهب ؟ أين أبو جهل؟ أين صناديد الكفر والشرك؟ أين اليهود والنصارى والمنافقون الذين ناصبوه العداء بمحاربته تاره، وتكذيبه تاره، والأستهزاء والطعن به تارات، حتى طعنوا في عرضه الشريف؟ بل أين القياصرة والأكاسرة؟، كلهم أهلكهم الله وقطع ذكرهم، وبقي ذكره صلى الله عليه وسلم وبقية سنته وسيرته نبراسا للأمة يقتدى بها، ومنبعا صافيا ينهل منها من وفقه الله إلى يوم الدين.
ومع كل ما فعلوه من الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أمر الله رسوله بتبليغ دين الله وكفل له العصمة من أذى الناس{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} لإنهم يفعلون ذلك يريدون فتنته عن دعوته { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا * إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا }وقد تحقق وعد الله سبحانه وتعالى فانتصر الإسلام، واندحر أعداؤه، وصار اسمه صلى الله عليه وسلم يذكر مع اسم الله في الخطب والآذان والإقامة، يرفع على رؤوس المنائر في المشارق والمغارب {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} وسيستمر ظهور الحق وانتشاره إلى أن تقوم الساعة، فقد أخرج البخاري من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك ).
ثم أبشروا عباد الله فلن يستيطع أحد أن ينال منه صلى الله عليه وسلم لأن الله جل وعلا يحميه ويحفظه قال تعالى{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وما فعلهم هذا إلا مشابهة لأسلافهم أعداء الله من الأمم السابقة، فما من نبي من أنبياء الله إلا وقد استهزاء به قومه{ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}.
اللهم عليك بأعداء الدين ياقوي ياعزيز، اللهم أكفناهم بما شىت إنك على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على رسوله الأمين، أما بعد:
فإن الواجب على من يحب الله ورسوله، ويريد نصرة الله ورسوله، أن لا يلتفت لاستفزاز الكفار فيعتدي ويظلم، بل يبلغ دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} متبعا ما سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم وهم يرون ويسمعون الاستهزاء بنبي الرحمة والهدى، ومع ذلك لم يفعلوا أي فعل يخالف شرع الله، لم يتظاهروا، ولم يقتلوا الأنفس بغير حق، ولم تكن نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم مجرد شعارات وعبارات، كحال بعض الجهلة والمتعجلين اليوم، الذين يقومون بأفعال تضر الإسلام والمسلمين، وتزيد من شر وطغيان الكافرين والمنافقين، أي خير في مخالفة شرع الله بدعوى نصرة رسول الله؟، لكنه الجهل والهوى يدعمه ويغذيه أعداء الإسلام من كل بلد، ليشوهو سمعة الإسلام بسبب تلك التصرفات التي لا يقرها دين ولا عقل.
لقد كانت نصرة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم بتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، وذلك بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد اللَّه إلا بما شرع {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
إن من الحق الذي لا مرية فيه إنكار ما فعله الكفار بأنهم صوروا الرسول بصور مؤذية، ولكن كيف ننكر عليهم ونحن أيضا نؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم بأفعالنا وتصرفاتنا وكتاباتنا! أما نستحي من هذا التناقض! كيف ننكر عليهم ومن بيننا من يقول أن سنته لا تتوافق مع هذا الحضارة والتقدم! أو يصفها بالجمود والرجعية! أو يحرفها ويخالفها من أجل حزبه وجماعته!
ومن كان صادقا في محبته ونصرته صلى الله عليه وسلم، فليتعلم كيف تكون نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم في نفسه، وفي أقواله وأعماله من كل وجه، معرفة لمنزلته، وتعظيما لسنته، وعدم التطاول على ما جاء به، حتى تكون النصرة صحيحة لا مجرد دعاوى.
ومن نصرته صلى الله عليه وسلم إماتة الباطل بعدم نقل ما يصدر من المستهزئين به صلى الله عليه وسلم، أو محاولة الاطلاع عليه، إلا لصاحب علم يريد أن يبين الحق ويرد الباطل، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم ينقلوا شيئا من قصائد هجاء الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم.
ورب ضارة نافعة، فلربما هذه الجريمة التي استهزأ بها أعداء الله بنبينا صلى الله عليه وسلم ربما تكون نافعة أننا نلتفت إلى مقامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعود على أنفسنا ونصحح ما عندنا من نقص في محبته صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، معتبرين بما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم في اتباعهم ودفاعهم قولا وعملا.
اللهم إنا نسألك حبك ، وحب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم وفقنا لاتباع سنته والعمل بها يا رب العالمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدائك أعداء الدين، اللهم وآمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ووفق ولاة أمرنا، اللهم ارزقهم بطانة صالحة ناصحة وابعد عنهم بطانة الشر والسوء ياحي ياقيوم، اللهم اشف ولي أمرنا عبدالله بن عبدالعزيز شفاء لا يغادر سقما، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ