الغيرة


( الغيرة )

الخطبة الأولى:

أيها المؤمنون : أشرف الناس وأعلاهم همة ، أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس ، ولهذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- أغير الخلق على الأمة ، والله سبحانه أشد غيرة منه ، كما ثبت في الأحاديث .

جاء في صحيح مسلم ، أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال في سعد بن عبادة : «إنه لغيور ، وأنا أغير منه ، والله أغير مني» .

وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله يغار ، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله» . متفق عليه .

وفي الصحيحين من حديث أسماء –رضي الله عنها- أنها سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا شيء أغير من الله» .

وفي الصحيحين أيضًا عن ابن مسعود –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا أحد أغير من الله ، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» .

وأشد الناس غيرة بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من هذه الأمة صحابته الكرام –رضي الله عنهم- .

فهذا عمر –رضي الله عنه- يقول له النبي –صلى الله عليه وسلم- : «بينا أنا نائم رأيتني في الجنة ، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر ، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب ، فذكرت غيرته فوليت مدبرًا ، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله» . متفق عليه .

وعند مسلم من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال سعد بن عبادة –رضي الله عنه- : يا رسول الله ، لو وجدت مع أهلي رجلًا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : «نعم» ، قال: كلا والذي بعثك بالحق ، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك ، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : «اسمعوا إلى ما يقول سيدكم ، إنه لغيور ، وأنا أغير منه ، والله أغير مني» .

قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله- : “بيّن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه أغير من غيره من المؤمنين ، وأن المؤمن يغار ، والله يحب الغيرة ، وذلك في الريبة ، ومن لا يغار فهو ديوث ، وقد جاء في الحديث : «لا يدخل الجنة ديوث» “. اهـ . [الاستقامة ( 2 / 7 ) ] .

عباد الله ، “إذا ذهبت الغيرة ، مات القلب ، وضعف الدين ، بل ربما ترحل” . [ الجواب الكافي ص68 ، ص274) ] .

ومن مظاهر ذهاب الغيرة أو ضعفها : المطالبة باختلاط الرجال بالنساء ، والتساهل في هذه الأمر العظيم ، ومن ذلك تضييع الرعية ، فتخرج المرأة متى شاءت ، وتلبس ما شاءت ، وتتكلم مع من شاءت ، ومن ذلك أيضًا: خروج بعض النساء للأسواق أو المطاعم أو قاعات الأفراح في كامل زينتهن ، وما يصحب ذلك من سفور وتبرج ، وما يغضب الجبار المتكبر –سبحانه وتعالى- .

ومن مظاهر ضعف الغيرة: التساهل بركوب المرأة مع الأجنبي بخلوة ، ومن ذلك التساهل في الحجاب ، ولا سيما عند السفر للخارج ، وضعف سلطة الولي على محارمه .

ومن ذلك أيضًا: جلب القنوات الفضائحية ، والسماح للأبناء والبنات وغيرهم بالتواصلات الاجتماعية ، بلا رقيب ولا حسيب ، ولا نصح ولا توجيه .

ومن مظاهر الضعف أيضًا: المتاجرة بالمحارم ، وعرضهن أمام الشاشات ، وتجيعهن على نزع جلباب الحشمة والحياء ، ومن ذلك أيضًا: إرسال الأبناء والبنات إلى بلاد الكفر بلا محرم ، ولا تقيد بضوابط الشرع الحنيف .

ومن ذلك: لبس الألبسة الفاضحة ، كالبنطال الضيق ، والعبائة الفاتنة ، وغير ذلك ، والولي لا يحرك ساكنًا ، بل ربما يفرح بهذا المنكر العظيم .

عباد الله ، لضعف الغيرة أسبابًا ، فمن تلكم الأسباب:

ضعف الإيمان : فكلما قوي إيمان العبد ، قويت غيرته ، وإذا خف الإيمان ، خفت الغيرة وربما ذهبت ، ومن الأسباب : البعد عن تعاليم الإسلام وآدابه ، فالإسلام جاء بمكارم الأخلاق ، ونهى عن سفاسفها .

ومن الأسباب : التواصلات الاجتماعية ، وما يعرض في أكثرها من أمور عظام ، يُرقق بعضها بعضًا ، ومن الأسباب : التهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن أسباب ضعف الغيرة : جلساء السوء ، فكل قرين بالمقارن يقتدي .

ومن الأسباب: محاكاة أهل الكفر والإلحاد والفسق والمجون ، وتقليدهم والتشبه بهم ، ومن تشبه بقوم فهو منهم ، ومن الأسباب : الغزو الفكري بطرائقه المتعددة ، ومن الأسباب أيضًا: التعلق بالدنيا وملذاتها ومتاعها الزائل .

ومن أعظم الأسباب : اقتراف الذنوب والسيئات ، فمن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ، وكلما اشتدت ملابسة العبد للذنوب ، أخرجت من قلبه الغيرة ، وقد تضعف في القلب جدًا ، حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح ، لا من نفسه ، ولا من غيره ، وإذا وصل إلى هذا الحد ، فقد دخل في باب الهلاك .

عباد الله: هذه بعض أسباب ضعف الغيرة ، وغيرها كثير للمتأمل ، وإذا عُلمت الأسباب ، فلا بد أن نسعى في البعد والنأي عنها ، وسؤال الله الإعانة والسداد ، والقيام بحق القوامة خير قيام ، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ، ولا بد من مجاهدة النفس والشيطان ، والأمر والنهي والتوجيه والإرشاد ، ولا بد من الصبر والمصابرة واحتساب الأجر ، وتجنيب الأبناء والبنات ومن تحت الولاية أسباب الشر والفساد ، والحرص على جلب أسباب الخير والإصلاح .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } . [التحريم : 6] .

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ، كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله ، واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ..

ثم أيها المؤمنون ، قال –صلى الله عليه وسلم- : «إن من الغيرة ما يحب الله ، ومنها ما يبغض الله ، ومن الخيلاء ما يحب الله ، ومنها ما يبغض الله ، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة ، وأما التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة» .

فالغيرة في الريبة ) ، أي في مظنة الفساد ، أي إذا ظهرت أمارات الفساد في محل ، فالقيام بمقتضى الغيرة محمود ، وأما إذا قام بدون ظهور شيء ، فالقيام به مذموم ، لما فيه من اتهام المسلمين بالسوء من غير وجه . [ حاشية السندي على ابن ماجة ] .

قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله- : “فالغيرة المحبوبة : هي ما وافقت غيرة الله تعالى ، وهذه الغيرة هي أن تُنتهك محارم الله ، وهي أن تُؤتى الفواحش الباطنة والظاهرة” . [ الاستقامة ( 2 / 7 ) ] .

-وصلى الله وسلم على نبينا محمد-