احتجاج المعاصرين بالروايات التاريخية


احتجاج المعاصرين بالروايات التاريخية

شاهدت عددا ممن يُسمّون بالمفكرين والمثقّفين الإسلاميين في بعض من القنوات المغرضة وعدد من المواقع المشبوهة في الشبكة العنكبوتية، يتّخذون من الروايات التاريخية المزبورة في سير وتراجم الأولين، حجّة للطعن في الحكم الإسلامي، وذريعة للنيل من الصحابة رضي الله عنهم، واعتماد مواقف وآراء مناهضة لما تقرر واعتُمد في منهج السلف الصالح رحمهم الله.

وقد أحدث هؤلاء المعاصرون بهذه المنهجيّة الحادثة فتنةً والتباسا في عقول كثير من شباب وشابات المسلمين، خاصة أنّ هذه القراءة للتاريخ والنظر في أحداثه ووقائعه، تلبس لبوس التجرد للحقّ والموضوعيّة في البحث، بعيدا عن التخندق تحت شعار التعصّب المذهبي لطائفة من الطوائف، بل إنّ كثيرا ممن يقومون بهذه الدراسات التاريخية الموعبة يدّعون أنّهم من أهل السنّة، لكنّهم خرجوا من عباءة التقليد إلى دائرة البحث الحرّ النّزية، واعتمدوا الاستقلالية في اتخاذ الأحكام، وتبنّي المواقف.

وهذا يعني أنّ الخطر كامن في نتاج هؤلاء المفكرين من جهتين:

الأولى: ادعاؤهم البحث عن الحقّ، وارتياده في مضانّه، وعدم التعصّب لطائفة معيّنة أو الجمود على موروث ارتضوعه في نشأتهم أو تعلموه في بيئتهم.

الثاني: زعمهم أنّهم من أهل السنّة، وأنّهم من أهل الحرص والغيرة عليها، وأنّهم ما قاموا بهذه الدراسات الموسّعة والقراءات التاريخية المفصّلة إلا تنقية لمذهب الحنابلة من الأخطاء والانحرافات التي انصبغت بها كتب أئمته، وتولّدت عنها مواقفهم وتعاملاتهم مع الفتن والملاحم والأحداث الكبار في تاريخ الإسلام.

يجب أن نعلم أن كتب التاريخ ليست دواوين تجمع الصّحاح ولا مصنّفات تعتمد روايات الثّقات الأثبات، بل إنّ المؤرخين كانوا يجمعون كل ما نُقل إليهم، وكلّ ما وجدوه عن المُترجم له في كتب التواريخ والحوادث والسّير، فليس من شرطهم انتقاء ما صحّ من التراجم والحوادث بل من طريقتهم في التصنيف أنّهم يجمعون الغثّ والسّمين والصحيح الثابت والمختلق الواهي.

لأنّ معرفة هذا الأصل الذي اعتمده المؤرخون وتتابعوا عليه، تقطع الطريق على كلّ من يستند إلى تلك المنقولات والمأثورات في الطّعن في الصحابة رضي الله عنهم أو الثلب في أمراء وحكام المسلمين الذين نصروا السنّة لمجرد وقوع مخالفة منقولة عنهم أو تجاوز مزبور في كتب التراجم والسّير.

إنّ الناقد المتبصّر في الروايات المنقولة يجد أنّ كثيرا من تلك الطعون لا يمكن أن تثبت عنهم، ففي نفس تلك الكتب والدواوين نقولات أخرى تفنّدها ووقائع تكذبها، يغضّ هؤلاء الباحثون الطّرف عنها، فلا يجوز أن تؤخذ هذه المنقولات كحقائق ثابتة وأحكام مطلقة بل يجب وزنها بميزان علمي رجيح، لنحكم بثبوتها أو ضعفها أو نقول بأنّ بعض خصوم المترجم قاموا باختلاقها ودسّها في سيرته.

وعلامة هؤلاء الباحثين المعاصرين الذين أشرت إلى شيء من طرائقهم، الطعن في كتابي البخاري ومسلم وتكذيب أحاديثهما التي لا تتّفق مع أهواء هؤلاء المفكرين بجراءة وسفاهة لا نظير لها، فلا يبالي أحدهم باتهام إمام كالبخاري رحمه الله في عقله لكونه روى حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوافق مع بدعة هذا المفكر التي ركبها، أو النّيل من الأمة كلّها بعلمائها ومحدّثيها لكونها قبلت أحاديث في الصحيحين، رأى هذا الباحث بنظره القاصر أنّها لا تصلح لعصرنا ولا تتّسق مع مطالب مجتمعاتنا.

ثم إنّ أحد هؤلاء إذا اقتنص رواية تاريخية لا سند لها تحتمل قدحا في صاحب أو وجد خطأ منسوبا إلى إمام معتبر، طار به كل مطيّر وصاح به في كل ناد، وحمّله لوازم لا يحتملها، وقوّل المؤرّخ بما لم يدر في خلده، واستنطق الحادثة بما ليس فيها، دون نظر لسياق المنقول ولحاقه ولا اعتبار لما بين يديه وما خلفه، وهذه منهجيّة عوراء في البحث العلمي، تُفقد الباحث مصداقيّته العلميّة ونزاهته المنهجيّة.

فكيف يكذّب مدّعي البحث عن الحقّ أحاديث الصحيحين المنقولات بالأسانيد الجياد، ويحتجّ بالروايات التاريخية التي لا خطام لها ولا زمام ؟!

وعلينا أن نتنبه، أن القراءات الحادثة للوقائع التاريخية لا تنفكّ عند أصحابها من مرجعية فكرية يتقيّد بها الباحث ويدور في فلكها، فيجب أن نعرف مشرب المفكر المعاصر وتوجّهه الفكري قبل أن ننظر في رصده وتحليله وأحكامه التي يُطلقها، ونتائجه التي ينشرها حتى لا نغترّ بدعاواه العريضة، فنقع في فخاخه التي احتفرها، ونسقُط في شباكه التي نصبها.

لا يمكن لنا كمراقبين أن ننتشل هذا الباحث المعاصر وهو يسوق القصص والسير والملاحم ويؤلف بينها ويجمع شتاتها من موروثه العقديّ، أي لا يمكن لنا نزعه من مسبقاته الذهنية ومقرراته الفكريّة، فهو يريد أن يصل إلى نتيجة اعتمدها وغاية اقتنع بها، فما القصد من هذه الروايات الواهية التي يجمعها والقصص المكذوبة التي يحشدها إلا الوصول إلى لعن الصحابة رضي الله عنهم وهمزهم ولمزهم وتسبيل الطريق، وتهيئة الفضاء المعرفي لتكفيرهم وتسويغ الحكم بردّتهم، لذا فهو يرصد الأحداث ويحللها ويتولى شرحها والحكم عليها، للوصول إلى نتيجة محددة مسبقا ومقررة في ذهنه كان يسعى إلى الوصول إليها.

وهذا لا يعني تكذيب المؤرخين ولا القدح في عدالتهم، حاشا لله، فإن هذه طبيعة الكتابة في التواريخ والسير، وهذا منهجها، لكن الغلط ممن يهجم على هذه الكتب، ويقتنص منها حججا يستقوي بها في صراعاته وخصوماته، دون نظر لشروط مؤلفيها ولا التفات لطرائق مصنفيها، وهذا يوجب على الباحثين المخلصين مزيدا من العناية بسبر المنقولات وفهم الوقائع على وجهها، ومعرفة قيمتها من جهة قبولها واعتمادها وصلاحيتها للاستدلال.

فلنحذر على ديننا، ولنتّق الله في أئمتنا وساداتنا رضي الله عنهم، ولندفع عن أئمة المسلمين وعلمائهم وحكامهم الذين نصروا السنّة وقاموا بحراستها عادية هؤلاء الرعاع عنهم، وأن لا نتركهم غرضا لهؤلاء الموتورين، وخاصرة ليّنة تتلقى هجماتهم وطعوناتهم التي لا يكفّها عن هجمتها ولا يوقفها عند حدّها إلا أن يقيض الله أئمة وعلماء ينفون بالحجج الدامغة والحقائق الراسخة عن دين الله تحريف الغالين وانتحال الجاهلين ودعاوى المبطلين.

والمقصودُ من هذا، أن تعلم أنّ هؤلاء النابتة في حقيقة أمرهم ليسوا باحثين عن الحقّ ولا متجردين لطلبه والتّفتيش عنه، إنّما يؤزهم الحقد الأعمى على طريقة أهل السنّة، وتتضامن مع أطروحاتهم فرق ومدارس وتيّارات تحركها الثّارات والضغائن.

وأن لا تغترّ بدعواهم اعتماد المعايير الموضوعيّة في البحث والاعتدال في الأحكام، فإنّهم أهل بدع وأهواء يغيظهم تمدّد السنّة، ويقتلهم كمدا انتشارها وإقبال النّاس عليها، لوضوحها طريقها، وصفاء مشربها، وطهارة سفينتها من أن تحتمل على ظهرها شيئا من غلوّ الغالين أو بغض القالين.

كتبه محمد بن علي الجوني