أركان الصلاة وبعض الأخطاء فيها


بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 21-22].

 

أما بعد:

 

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

 

أخرج البخاري ومسلم أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلَّم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه السلام ثم قال: «ارجع فصل فإنك لم تُصل»، ثم ذهب الرجل فصلى ثم جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلم عليه، فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- على الرجل السلام ثم قال له: «ارجع فصل فإنك لم تُصل».

ثم رجع الرجل فصلى، ثم جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- على الرجل السلام ثم قال له: «ارجع فصل فإنك لم تُصل».

قال: والذي بعثك بالحق، لا أُحسن غير هذا، فعلمني، فعلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم كبِّر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا …». الحديث.

 

وهذا الحديث سماه العلماء بحديث المسيء في صلاته، وأخرج البخاري أن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- رأى رجلًا يصلي وهو لا يُتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى الرجل صلاته قال حذيفة -رضي الله عنه-: “لو مت متَّ على غير سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“.

 

إذن إن في الصلاة أركانًا وشروطًا يجب على كل مسلم بعينه أن يتعلمها، فهي فرض عين، ومن لم يتعلمها ولم يعمل بها لم تصح صلاته، فما أكثر المسلمين الذين يُصلون صلاةً لا تصح ولا تُقبل لأنهم قد تركوا إما شروطًا أو أركانًا.

 

وأركان الصلاة كالتالي:

 

الركن الأول: القيام مع القدرة.

قال سبحانه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، وأخرج البخاري من حديث عمران -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب».

 

والصلاة قائمًا ركن من أركان الصلاة، إلا أنه في النفل يصح للرجل أن يُصلي جالسًا، لكن إذا صلى جالسًا فإنه يأخذ نصف الأجر إذا كان بغير عذر، كما أخرجه البخاري من حديث عمران قال: “صلاة القاعد على نصف أجر صلاة القائم”.

 

وأنبه على أمر مهم: وهو أن من المسلمين من صار يتساهل في الصلاة جالسًا، ويتساهل في الصلاة على الكرسي ونحوه وهو مستطيع للقيام، بل بعضهم يستطيع أن يقوم بعض الصلاة وإن كان لا يستطيع أن يقوم الصلاة كلها، ومع ذلك يبتدئ الصلاة جالسًا، والواجب على مثل هذا في صلاة الفرض أن يُصلي قائمًا على قدر استطاعته، ثم بعد ذلك يجلس إذا كان لا يستطيع أن يستمر قائمًا.

 

الركن الثاني: تكبيرة الإحرام.

قال في حديث المسيء في صلاته: «… فكبِّر»، وثبت عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال في الصلاة: “تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم“.

 

ومن جاء إلى الصلاة والإمام راكع بأن كان مسبوقًا -أي متأخرًا- فإنه يجب أن يُكبر تكبيرة الإحرام قائمًا، وبعض الناس يُكبرها وهو راكع، ومن كبرها راكعًا لم تُقبل منه ولم تصح، بل الواجب أن يُكبر قائمًا، والأفضل أن يُكبر التكبيرتين، الأولى تكبيرة الإحرام بأن يُكبر قائمًا، والثانية تكبيرة الركوع، كما ثبت عند ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم-.

 

الركن الثالث: قراءة الفاتحة.

ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»، فهي واجبة على الإمام والمنفرد، أما من كان مأمومًا فعلى أصح أقوال أهل العلم لا تجب عليه.

 

فقراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، وبعض المسلمين عنده أخطاء في قراءته للفاتحة، وهذه الأخطاء تُحيل المعنى، ومثل هذا لا يُعد قارئًا لسورة الفاتحة، فيجب علينا أن نتعلم قراءتها حتى تستقيم ألستنا بقراءتها.

 

الركن الرابع: الركوع.

قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]، وفي حديث المسيء في صلاته قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا».

فالركوع ركن من أركان الصلاة، وأدنى الركوع عند علماء المذاهب الأربعة هو أنه لو مدَّ يديه لوصل إلى ركبتيه، إذا انحنى انحناء بحيث إنه لو مدَّ يديه وصلت إلى ركبتيه، من كان كذلك فقد ركع، أما من لم يكن كذلك فإنه لا يكون راكعًا.

 

الركن الخامس: الرفع من الركوع.

ويدل عليه حديث المسيء في صلاته.

 

الركن السادس: الاعتدال من الركوع.

ويدل عليه حديث المسيء في صلاته.

 

الركن السابع: السجود.

وقد أمر الله به كما تقدم، ويدل عليه حديث المسيء في صلاته، وثبت في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على اليدين والركبتين وأطراف القدمين وعلى الجبهة» وأشار إلى أنفه -صلى الله عليه وسلم-.

 

فمن لم يسجد على هذه السبعة فإن صلاته لا تصح، وبعض الناس يسجد ثم يرفع إحدى قدميه، ومن فعل ذلك واستمر حتى تنتهي سجدته فإن سجدته هذه لا تصح، وتبطل صلاته، فلذا يجب السجود على الأعظم السبعة التي تقدم ذكرها، والأصل هو الجبهة، والأنف تبعٌ للجبهة.

 

الركن الثامن: الرفع منه.

ويدل عليه حديث المسيء في صلاته.

 

الركن التاسع: الجلوس بين السجدتين.

ويدل عليه حديث المسيء في صلاته.

 

الركن العاشر: التشهد الثاني.

ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله …». الحديث.

 

الركن الحادي عشر: الجلوس للتشهد وللسلام.

ويدل على ذلك حديث المسيء في صلاته.

 

الركن الثاني عشر: الطمأنينة في الصلاة.

وما أدراك ما الطمأنينة في الصلاة، إن هناك فرقًا بين الطمأنينة والخشوع، فإن الخشوع روح الصلاة وهو حضور القلب، ومجاهدة النفس ألا يسرق الشيطان شيئًا منها، ومجاهدة النفس على الإقبال على الله واستحضار عظم الله سبحانه في الصلاة.

 

قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، ومع أهمية الخشوع إلا أنه ليس ركنًا وإنما الركن الطمأنينة، والمراد بالطمأنينة: أن يستقر في الركن، بحيث إنه يكون مستقرًا ولو قليلًا.

 

وما أكثر المصلين الذين يُضيعون ركن الطمأنينة، وهذا الركن هو الذي ضيعه المسيء في صلاته.

وبعض الناس وما أكثرهم  عند الرفع من الركوع ما إن يرفع إلا ويسجد، وهذا لم يطمئن، وبعضهم في الجلسة بين السجدتين ما إن يرفع إلا ويسجد، ومثل هذا لم يطمئن، وقد أجمع الصحابة على أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

 

الركن الثالث عشر: التسليم.

وقد تقدم في قول ابن مسعود -رضي الله عنه- في الصلاة قال: “تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم“.

والركن من التسليم هو التسليمة الأولى، أما الثانية فليست ركنًا بإجماع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

الركن الرابع عشر: الترتيب في الصلاة.

ويدل على ذلك حديث المسيء في صلاته، وقد أجمع العلماء على أن الترتيب في الصلاة ركن من أركانها.

 

إذن هذه أركان الصلاة، ومن لم يأت بشيء من أركان الصلاة لم تصح صلاته كما تقدم في حديث المسيء في صلاته، وتقدم في كلام حذيفة -رضي الله عنه-.

 

اللهم يا من لا إله إلا أنت، اللهم علمنا ما ينفعنا، اللهم وارزقنا صلاة الخاشعين، وتقبلها منا يا رب العالمين.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

 

فإن تعلم العلم الشرعي في الأمور الواجبة على العباد والمكلفين فرض عين على كل مسلم ومسلمة، ويجب على المسلمين أن يتعلموا أركان الصلاة، وأن يتعلموا شروطها، إلى غير ذلك من الأمور الواجبة على المسلمين عينًا.

 

واعلموا أن أفضل العبادات التطوعية تعلم العلم الشرعي، فإن أفضل ما يُتقرب به إلى الله من النوافل هو تعلم العلم الشرعي، وله فضائل كثيرة مذكورة في كتاب الله، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

يقول سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وأخرج البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من يُرد الله به خيرًا يُفقههُ في الدين».

 

وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهِّله الله له به طريقًا إلى الجنة».

 

وعن  زيد بن الأرقم -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع ، رواه مسلم.

 

يا لله! كم انشغل المسلمون اليوم بما لا ينفعهم ، فقد انشغل كثير من العامة بالسياسة، وأمر السياسة إلى الراعي والحكام لا إلى عموم الشعوب، وأحسن أحوال الانشغال بالسياسة أنها علم لا ينفع.

 

ولقد اشتغلنا وتسابقنا وتنافسنا في أمور دنيانا، فما أن يُذكر أمر من الدنيا إلا ونحن أعرف الناس به، لكن إذا ذكر الدين، و الأحكام الشرعية، و الآيات القرآنية والأحاديث النبوية رأيت جهلًا عريضًا  فينا.

 

أيها المسلمون لابد أن نتعلم دين الله، وأحكام الصلاة، وأن نأخذ العلم من الموثوقين لا من كل أحد، إنه لا يصح أن يُؤخذ العلم من كل مُتكلم في قناة فضائية أو إذاعة أو غير ذلك، وإنما يُؤخذ من الموثوقين.

 

أخرج الإمام مسلم في مقدمته عن محمد بن سيريه -رحمه الله تعالى- أنه قال: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”.

وإن للشيخ العلامة ابن باز، وللشيخ العلامة الألباني رسالة سهلة ميسرة في أحكام الصلاة وفي صفتها، أوصيكم باقتناء هذه الرسالة، وأخذها ولو عن طريق الشبكات العنكبوتية، وأوصيكم بقراءتها لتعرفوا أحكام دينكم، ومن ذلكم الصلاة التي هي عمود الإسلام.

 

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم علمنا أحكام ديننا وأحكام صلاتنا .

اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت .