أرجو منك تفصيل القول في مسألة الاجتماع عند الميت في العزاء مع أقوال العلماء الأولين؟


يقول السائل: أرجو منك تفصيل القول في مسألة الاجتماع عند الميت في العزاء مع أقوال العلماء الأولين؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: إن العلماء الماضين تنازعوا، هل يصح الاجتماع للعزاء أو لا يصح ، فذهبت طائفة كالإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه لا يصح الاجتماع للعزاء، وعلى هذا الشافعية، وهو قول عند الحنابلة.

وذهب طائفة من أهل العلم إلى صحة الاجتماع للعزاء، وهو قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية، وهو قول عند الحنابلة.

واعتمد الشافعية في منع ذلك على دليلين:

الدليل الأول: ما أخرج أحمد من حديث جرير: «كنا نعد الاجتماع عند الميت لصنع الطعام من النياحة».

والدليل الثاني: أنه محدَث، كما قاله النووي رحمه الله تعالى، أي: أن هذا الفعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته.

أما أصحاب القول الثاني وهم المجوِّزون فذهبوا إلى أن حديث جرير: «كنا نعد الاجتماع عند الميت لصنع الطعام من النياحة» إلى أنه حديث ضعيف، لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن ضعفه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب “مسائل أبي داود”، نقل عنه أبو داود أن الإمام أحمد قال: هذا الحديث ليس بشيء، أي: لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما القول بأنه محدَث، فهذا فيه نظر؛ لأن العزاء واللباس وإكرام الضيف جاءت بها الشريعة، لكن صفتها يُرجَع إلى أعراف الناس، فالشريعة جاءت باللباس، وكل يلبس بحسب عرفه.

والشريعة جاءت بإكرام الضيف فكل يكرم الضيف بحسب عرفه، فقد اشتهر عندنا أننا نضع أولًا القهوة ثم الشاي إلى آخره، وغيرنا لا يفعلون ذلك، فكل يعمل بحسب عرفه.

ومثل ذلك يقال في العزاء؛ فإنه يرجع إلى أعراف الناس، ما لم يوجد فيه شيء محرم، كالنياحة، أو كالاجتماع على قراءة القرآن، أو الإتيان برجل يقرأ القرآن لروح الميت، أو غير ذلك من المحرمات والبدع، فإنه إذا وجد مثل هذا فإنه يكون محرمًا.

ثم يؤكد الجواز ما في “البخاري”: «أن امرأةً مات لها ميت، فاجتمع النسوة، ومعهن عائشة رضي الله عنها، وذكرت لهن: أنها سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اصنعوا التلبينة، فإنه يجم الفؤاد، ويذهب الحزن». فالشاهد في الحديث أن عائشة اجتمعت مع النسوة.

وكذلك علق البخاري: «أنه لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة يبكين على خالد بن الوليد، فلما أنكر عليهن منكر، قال عمر: دعهن يبكين ما لم يكن نقع أو لقلقة».

والنقع: رفع الصوت.

واللقلقة: وضع التراب على الرأس.

فدل هذا على أن الاجتماع جائز، ولم ينكره عمر رضي الله عنه وأرضاه.

فإذا الأظهر – والله أعلم- أن الاجتماع جائز، وأنه ليس محرمًا؛ لما تقدم تقريره.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمَنا ما يَنْفَعَنَا، وأن يَنْفَعَنَا بما عَلَّمَنَا، وجزاكم الله خيرًا.