يقول السائل: في هذه السنة سيكون صوم عاشوراء في يوم السبت، فكيف العمل وقد جاء النهي عن صوم يوم السبت؟
الجواب:
يُشير السائل إلى ما أخرج الخمسة مِن حديث الصَّماء بنت بُسر -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افتُرض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرةٍ فليمضغها».
وظاهر هذا الحديث النهي عن صوم يوم السبت، ومَن نظر في الحديث مِن جهة المعنى فإنه لم يستثنِ إلا ما افتُرِض، فدلَّ هذا على أنَّ ما لم يُفترَض فلا يُصام سواء أُفرِدَ أو لم يُفرَد، بأن يُصامَ غيرُه معه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم)، وابن القيم في كتابه (تهذيب السنن): والاستثناء دليلُ التناول. أي يدلُّ على أنَّ ما عداهُ داخلٌ في النهي والنهي يتناوله.
فإذَن بمقتضى ظاهر الحديث لا يُصام يوم السبت سواء أُفرِد أو لم يُفرَد، لأجل هذا فهذا الحديث لا يصح سَنَدًا ومتنًا.
أما مِن جهة الإسناد: فهو حديثٌ مضطرب، كما بيَّن هذا النسائيُّ -رحمه الله-، والحافظ ابن حجر في كتابه (التلخيص الحبير) و(بلوغ المرام)، وغيرهما مِن أهل العلم.
أما مِن جهة المتن: فهو مُخالفٌ لأحاديث كثيرة، كما بيَّن هذا الإمام أحمد فيما نقله ابن تيمية في شرح (العمدة)، و(اقتضاء الصراط المستقيم)، وابن القيم في (تهذيب السنن)، وذلك أنَّ الأحاديث تكاثرت في صِحة صوم يوم السبت، بأن يُصام غيره معه، ومن ذلك ما أخرج الشيخان مِن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يصومَنَّ أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده»، فدلَّ على جواز صوم يوم السبت مع يوم الجمعة.
وأخرج البخاري أنَّ النبيَّ ﷺ دخل على جويرية -رضي الله عنها-، ورآها صائمةً يوم السبت، فقال: «أصمتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» قالت: لا، قال: «فأفطري»، فدلَّ هذا على صِحة صوم يوم السبت مع غيره.
وأخرج البخاري ومسلم مِن حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كان النبيُّ ﷺ يصوم حتى نقول لا يُفطِر، ويُفطِر حتى نقول لا يصوم. وهذا يدلُّ دلالةً واضحة على أنَّ يوم السبت داخلٌ في ذلك، ثم قالت: وما رأيتُ النبيَّ ﷺ استكملَ صيام شهرٍ قط، وما رأيته في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبان. فكان ﷺ يصوم أكثر شعبان، وقطعًا سيدخل في ذلك صوم يوم السبت.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
فإذن دلَّت الأحاديث الكثيرة على أنه يصح أن يُصام يوم السبت نفلًا إذا صِيم معه يومٌ آخر، وهذا مُخالفٌ لمقتضى حديث الصماء بنت بسر لما قال النبي ﷺ فيه: «إلا فيما افتُرض عليكم»، فإذَن هذا الحديث لا يصح سندًا ولا متنًا، أما السند فهو مضطرب، وأما المتن فهو مُخالفٌ لأحاديث كثيرة تقدَّم ذكر بعضها.
ولذا أصحُّ أقوال أهل العلم أنه يصح أن يُصام يوم السبت ولو بأن يُفرَد، ذهب إلى هذا أبو حنيفة ومالك، وهو قول الإمام أحمد كما نقله عنه قدماء أصحابه كالأثرم وأبي داود، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، بل عزا ابن تيمية هذا القول إلى أكثر أهل العلم.
ثم أخيرًا: ينبغي أن نفهم الكتاب والسنة على فهم أهل العلم، وأهل العلم مجمعون على أنه لا يحرُم صومُ يوم السبت وحده، ذكر الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرحه على (العمدة)، ومِن القواعد الشرعية أنه يجب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وألا نخرُجَ عن فهمهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
ولم أرَ أحدًا قال بالتحريم إلا بعض العلماء المعاصرين، ومقتضى كلام ابن تيمية أنَّ العلماء مجمعون على خلاف هذا، فقطعًا القول بالتحريم قولٌ شاذٌّ مُحدَثٌ مُخالفٌ لأفهام أهل العلم، ويجب ألا نتَّبعه وأن نَتَّبِع ما قرره أهل العلم حتى لا نخرُجَ عن سبيلهم.
فعلى هذا إذا وافق يوم السبت صوم يوم عاشوراء فيصح أن يُفرَد بالصوم، وكذا إذا وافق صوم يوم عرفة فيصح أن يُفرَد بصوم.
وأخيرًا: قد ضعَّف الحديث جمعٌ مِن أهل العلم، نصوا على ضعفه قديمًا وحديثًا، وممن نصَّ على ضعفه الزهري، والأوزاعي، ومالك، بل قال الإمام مالك إنه حديثٌ كذب. والنسائي، وممن ضعفه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الاقتضاء) وابن القيم في كتابه (تهذيب السنن).
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
