حقوق المسلمين من كتاب رب العالمين


« حقوق المسلمين من كتاب رب العالمين »

محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام

24/2/ 1448

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ فَهِيَ زَادُ الْمُخْلِصِيِنَ ، وَعِصْمَةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَبِيلُ الْفَائِزِينَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: عُرَى الْإِيمَانِ لَا تُوَثَّقُ بِمُجَرَّدِ الْكَلِمَاتِ، بَلْ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَدِينُنَا الْإِسْلَامِيُّ الْعَظِيمُ جَاءَ لِيُنَظِّمَ عَلَاقَةَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، لِيَصْنَعَ مُجْتَمَعاً إِسْلَامِيّاً مُتَمَاسِكاً، كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً.

وَقَدْ بَيَّنَ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ: السَّعْيَ لِإِزَالَةِ أَيِّ خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]

وَحَرَّمَ كُلَّ مَا يُؤْذِي مَشَاعِرَ الْمُسْلِمِ أَوْ يَنَالُ مِنْ كَرَامَتِهِ مِنْ سُخْرِيَةٍ وَتَنَابُزٍ وَغِيبَةٍ وَسُوءِ ظَنٍّ وَتَجَسُّسٍ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ  وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ﴾ [الحجرات: 12]

بَلْ وَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى تَشْرِيعَاتٍ صَارِمَةً لِحِمَايَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنَ الِانْتِهَاكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾[النساء: 93]

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]

وَحَثَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الرَّحْمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ : ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [ الفتح : 29 ] وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ فَضْلَ سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَإِيثَارِ الْمُسْلِمِ الْخَيْرَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]

بَلْ جَعَلَ الدُّعَاءَ عِبَادَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَى رَبِّهِ بِصِدْقِ الدُّعَاءِ لِأَخِيهِ، فَقَالَ : ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ الحشر : 10 ]

فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، تَسْعَدُوا وَتُفْلِحُوا وَتَفُوزُوا بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

[ آل عمران : 103 ]

 أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

                           الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :  اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأُخُوَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنْحَةٌ كَرِيمَةٌ، تَجْمَعُ الْقُلُوبَ بَعْدَ افْتِرَاقِهَا، وَتُؤَلِّفُ النُّفُوسَ بَعْدَ اخْتِلَافِهَا، وَتَبْنِي الْمُجْتَمَعَ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْوِفَاقِ، لَا عَلَى الْبُغْضَاءِ وَالشِّقَاقِ.

الْأُخُوَّةُ الَّتِي لَا يَقُومُ بُنْيَانُهَا عَلَى لَوْنٍ وَلَا لِسَانٍ، وَلَا عَلَى مَالٍ وَلَا سُلْطَانٍ، بَلْ تَقُومُ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَتَثْبُتُ بِالصِّدْقِ وَالْعِرْفَانِ ، إِخْلاصاً لِلّهِ تَعَالَى .

فَالْمُؤْمِنُ لِأَخِيهِ سَنَدٌ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَعَوْنٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَنَاصِحٌ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَدَاعٍ لَهُ فِي الْغَيْبِ وَالْمُعَايَنَةِ ، يَفْرَحُ لِفَرَحِهِ، وَيَحْزَنُ لِحُزْنِهِ، وَيُقِيلُ عَثْرَتَهُ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيَعْفُو عَنْ زَلَّتِهِ، وَيَصِلُهُ إِذَا قَطَعَ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ إِذَا مَنَعَ ، وَيَتَعَاوَنُ مَعَهُ فِي الْخَيْرِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]

؛ هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

 وَقَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ يَا مُؤَلِّفَ الْقُلُوبِ، أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاجْمَعْ عَلَى الْهُدَى دُرُوبَنَا، وَاجْعَلِ الْمَحَبَّةَ شِعَارَنَا، وَالْإِخْلَاصَ دِثَارَنَا، وَالتَّقْوَى زَادَنَا، يَا رَبَّ الْعَالَمِيِنَ .

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ بِتَوْفِيقِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِتَأْيِيدِكَ، وَكُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَاصِرًا، وَجَمِيعَ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


Partager ce contenu:
0