بعض الناس يأتي أولاده الصغار مكافئات إما لدراستهم في مدارس تحفيظ القرآن أو غير ذلك، فهل يصح للأب أن يستفيد مِنها؟


يقول السائل: بعض الناس يأتي أولاده الصغار مكافئات إما لدراستهم في مدارس تحفيظ القرآن أو غير ذلك، فهل يصح للأب أن يستفيد مِنها؟

الجواب:

ينبغي أن يُعلَم أنَّ الصغير الذي لم يبلغ يُعَدُّ محجورًا عليه، أي هو ممنوعٌ مِن أن يتصرَّف في ماله، يقول العلماء: هو محجورٌ عليه لحظِّ نفسِه. وقد دلَّ على ذلك القرآن والسنة، ومِن أدلة ذلك قوله سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] فالصغير لا يُدفَع إليه مالُه ولا يصح له أن يتصرَّف في مالِه إلا إذا توافرَ فيه شرطان:

الشرط الأول: أن يبلغ.

الشرط الثاني: أن يكون رشيدًا لا سفيهًا.

أما لو بلَغَ وهو سفيه فلا يُدفَع له مالُه، بل يبقى محجورًا عليه.

فإذن الصغير يُحجَر عليه لحظِّ نفسِه ولا يصح له أن يتصرَّف في مالِه، بل التصرُّف في المال راجعٌ إلى ولِيِّه، والولي ليس له أن يأكُلَ مِن مال الصبي أو وليِّه حتى إذا كان بالغًا سفيهًا إذا كان غنيًّا، أما إذا كان فقيرًا فإنَّ له أن يأكُلَ مِن مالِه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] فالغني لا يأكل بدلالة القرآن وإجماع أهل العلم الذي حكاه القرطبي في تفسيرِه، أما إذا كان فقيرًا فإنه يأكُل كما دلَّت الآية، وثبت الأثر في ذلك عند ابن جرير وغيرِه عن عمر -رضي الله عنه-، واحتجَّ به الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنه-.

لكن هذا المال إذا أكلَهُ فإنه يكون دَينًا عليه، إذا أيسَرَ قضاهُ، وإذا لم يحصُل له اليسر لم يجب عليه قضاؤُه، كما ثبتَ عن عمر -رضي الله عنه- فيما رواه ابن جرير في تفسيره، ورواه غيره، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية وهو قول الشافعي في أحد قوليه.

فإذن هذا هو حال الوليِّ مع الصغير، إلا إذا كان الوليُّ أبًا فإنَّ الحكم يختلف، وذلك أنَّ للأب أن يأكل مِن مال ولدِه الصغير أو الكبير البالغ ما شاء، سواء كان الأب محتاجًا أو غير محتاج، بشرط ألا يضُرَّ ولده وألا يمنع ولده مِن حاجتِه، وألا يأخُذَ مِن مال ولدِه إلى ولدِه الآخر، ويدل لذلك ما ثبت عند أحمد وأبي داود مِن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر مرسلًا إلى النبي ﷺ، وهذا يُقوِّي رواية عمرو بن شعيب.

وقد ثبتَ عند ابن أبي شيبة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يأكلُ الرجل مِن مال ولدِه ما شاء، ولا يأكل الولد مِن والدِه إلا بإذنِه.

وقد دلَّ القرآن على ذلك، كما بيَّن ذلك الإمام سفيان بن عيينة، وذلك أنَّ الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: 61] وجه الدلالة: أنه ذكر بقية بيوت الأقارب، ولم يذكر بيت الولد، قال ابن عيينة: فدلَّ هذا على أنَّ بيت الولد بيتٌ للأب نفسِه، لذا لم يذكر بيت ولدِه وإنما ذكر بيت أبيه وبيت أمهِ وغيرهم مِن الأقارب، نقلَ هذا عن الإمام سفيان ابن عيينة ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني).

وما تقدم ذكره هو قول الإمام سفيان ابن عيينة، والإمام أحمد، وهو قول الحنابلة، واختاره شيخنا العلامة ابن باز -رحمه الله-، وغير واحد مِن أهل العلم.

فإذا تبيَّن هذا، فإنَّ للأب أن يأخذ مِن مكافأة أولادِه، سواء كان محتاجًا أو غير محتاجٍ، بشرط ما تقدم ذكره، وإن شاء ألا يأخذ المال وأن يجمعه فهو وليهم يفعل ما شاء، على ما تقدم بيانه.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

528_1


Partager ce contenu:
0