بسم الله الرحمن الرحيم
[بطلان تفريق محمد شمس الدين بين النصح والإنكار في فهم النصوص الشرعية]
يقول محمد شمس الدين: « لم يدرك المخالفون الفرق بين النصح والإنكار، فحملوا نصوص النصح على الإنكار، وليتهم فهموا نصوص النصح على وجهها. فالإنكار: النهي عما لا يرضاه الله. والنصح: الدعوة إلى ما فيه الصلاح. فالإنكار قدر زائد على النصح، يكون فيه المقابل قد انتهك أمرًا شرعيًّا، فلا يصح هنا حمل الأعم على الأخص. ولابد من الانتباه إلى أن النصح لا يُعقل إلا بسماع المنصوح سواءً على انفراد أو بحضرة الناس. أما الإنكار فيمكن تحققه ولو لم يعلم المنصوح به » [1].
فخلاصة حجته: أن النصيحة شيء والإنكار شيء آخر، فإذن: لا يصح الاستدلال على النصح بأدلة الإنكار والعكس.
وهو يُكرر هذا التأصيل عند رده للنصوص التي ورد فيها لفظ أو معنى « النصح » في وجوب نصح الحاكم عنده لا من ورائه، بزعم الاختلاف بين النصح والإنكار، ويقول: أريد دليلًا على الإنكار!
والتفريق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث أثره على نفس المخاطب، أو من حيث الأساليب المستعملة فيهما، وغيرها من الفروق، هو أمر معتبر لكن في سياقه، أما أن تُجعل هذه الفروق وسيلة لتخصيص أو تقييد النص الشرعي، هو ضرب من التكلف الذي لا أصل له.
ويتضح بطلان تأصيله بما يلي:
النُّصْحُ في اللغة: كلمة جامعة مأخوذة مِن الإخلاص، وهو ضد الغش [2]، فتقول: نصحتُ العسَلَ أو نصحت الذهب: إذا خلَّصتَه مِن الشوائب [3]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91] وسبب نزول الآية يَوضَّح ذلك [4].
أما الاستعمال الشرعي، فمن الشواهد الشرعية على دخول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسمى النصيحة: لما دعا هود -عليه السلام- قومه للتوحيد وأنكر ما هم عليه من الشرك وصَفَ فعله بقوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68] ومثله نوح -عليه السلام-: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 62] ومثله صالح -عليه السلام-: ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79] وغيرها من النصوص.
فإذن؛ لفظ « النصح » في اللغة والاستعمال الشرعي يشمل الترغيب والترهيب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحوها؛ فكلها داخلة في معنى النصيحة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم صور الإخلاص والصدق مع المنصوح، فإذا ثبت دخول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسمى النصيحة ولم يثبت في الشرع إخراج أحدهما من مسمى النصيحة، فالأصل بقاؤهما فيه، ولا يُخرج أحدهما منه إلا بدليل.
بل حتى كلمة « الأمر بالمعروف » يدخل فيها معنى الإنكار؛ فقد روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح أنَّ رجلًا قال لابن عباس: آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: » إِنْ خِفْتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا تُؤَنِّبِ الْإِمَامَ … » [5]، ومعنى التأنيب: « المبالغَة فِي التَّوبيخ والتَّعنِيف » [6]، فمع أن السائل اقتصر على لفظ الأمر بالمعروف، إلا أن ابن عباس أدخل في معنى الأمر بالمعروف التوبيخ والتعنيف، وهو في معنى الإنكار.
كتبه/ محمد عبد الحفيظ الأمين
22 / 12 / 1447هـ – 8 / 6 / 2026م
……………………………………………….
[1] نقض الأصول المبتدعة في تحريم الإنكار على الحكام – محمد شمس الدين (ص 8 -9).
[2] تفسير الثعلبي (20 / 400) دار التفسير – ط1، والمحكم والمحيط الأعظم (3 / 157) دار الكتب العلمية – ط1.
[3] النهاية في غريب الحديث والأثر (5 / 62 – 63) المكتبة العلمية – بيروت.
[4] انظر: تفسير الطبري (11 / 623) دار هجر – ط1.
[5] مصنف ابن أبي شيبة (21 / 258) رقم: (٤٠٠٩٠) دار كنوز إشبيليا – ط1.
[6] النهاية في غريب الحديث والأثر (1 / 73) المكتبة العلمية – بيروت.
