تدارك ما فات من شهر رمضان


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

أما بعد:

فها هو قد ذهب أكثر من نصف شهر رمضان شهر الرحمة ، وما أسرع ذهابه وانقضاءه على الجادين والمفرطين سواء إلا أن الجادين فيه بالعمل الصالح تبقى آثار جدهم وأعمالهم بأن تكون ذخراً لهم عند لقاء ربهم ، فهم عند لقاء ربهم ومولاهم فرحون مسرورون {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ } [عبس: 38، 39] بخلاف المفرطين فأقل أحوالهم أنهم تركوا ما يقربهم إلى ربهم إن لم يكونوا عمّروا ساعات حياتهم بما يسخط خالقهم .

وكم ستكون خسارة المحارب لله بمعصيته من رؤية المحرمات وسماعها، وأكل الحرام من الربا والرشوة (والمسماة بخشيش وهكذا…) والظلم للخلق، والتعبد بالبدع والدفاع عنها وعن أهلها بحجة العادة وأنها مألوفة أو بحجة إرضاء المجتمع والخلق .

وسيأتي اليوم الذي يتمنون فيه الرجوع إلى الدنيا لإصلاح العمل كما قال تعالى (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر : 37]

وكم سيلوم المفرط – كالمتعصب للبدع وأهلها واللاهي والغافل عن طاعةِ اللهِ – شيطانَه الذي أغواه بمطاوعة منه كما قال تعالى (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم : 22]

يا طلاب الجنان كابدوا أنفسكم وسوقوها إلى ما فيه نجاتها .

يا طلاب الجنان إن الراحة المؤقتة المنغصة تفوت الراحلة الدائمة المنعمة الصافية من الأكدار ، فاجعلوا راحتكم الراحة الكبرى عند لقاء ربكم كما قال سبحانه عن أهل رضوانه وجنته (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر : 74]

قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (2 / 166) : “وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة فارق الراحة وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة فإنه على قدر التعب تكون الراحة”

يا طلاب الجنان جاهدوا أنفسكم على الإكثار من الطاعات ، فأكثروا من قراءة كلام ربكم القرآن ومن الصدقات وقيام الليل فإنها أيام معدودات وأزمان قلائل .

وإن من أعظم ما تنفق فيه صدقات الأموال ما يكون سببًا لحياة الناس الحياة الحقيقية حياة الوحي حياة الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة من دعوة للتوحيد والسنة كما قال تعالى ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا )[الأنعام : 122]

وإنما أرسلت الرسل والأنبياء لهذا .

وإنه لينبغي للمؤمن أن يكون وجلاً خائفاً أن يسخط اللهَ عليه فيكون ممن قال الله فيهم (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) [الرحمن : 41]

يا ويلنا من ينجينا من هذا الموقف إذا قضى علينا بهذا القضاء وإلى أين المهرب والمفزع والله يقول (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) [سبأ : 51]

اللهم إننا نناشدك بما أنت أهله أن ترحم ضعفنا وأنت الرحمن الرحيم ، فتجعلنا من عبادك الصالحين المرضي عنهم ممن تسكنهم جنتك دار رحمتك كما قلت وقولك حق (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فاللهم لا مفر من سخطك وأليم عقابك إلا إليك (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)

وإن الناصح لنفسه ليعلم أن من أسباب النجاة العمل الصالح قال تعالى (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف : 43]

وأن الله بعدله لم يسو بين الصالح والطالح والعامل بطاعته و بسخطه قال تعالى (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) [القلم : 35] وقال (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية : 21]

اللهم وفقنا للطاعات وترك المحرمات،

أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فالهربَ الهربَ والنجاةَ النجاةَ من النار بعمل الطاعات المختلفة ومنها:

أولًا/ الاجتهاد في الصيام وتحسينه وعدم خدشة بالمعصية؛ فإن المعاصي تنقص أجره بل قد تذهبه كله.

ثانيًا/ الاجتهاد في القيام عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وأقل ذلك القيام مع الإمام حتى ينصرف عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم:”من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ” أخرجه الأربعة

ثالثًا/ الاجتهاد في الصدقة ، قال تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 261]

رابعًا/ الاجتهاد في قراءة القرآن فشهر رمضان شهر القرآن، قال تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } [البقرة: 185]

وفي مواسم الخيرات والأزمان الفاضلة كشهر رمضان تغلب كثرة قراءة القرآن على تديره كما فعله كثير من السلف.

خامسًا/ إننا مقبلون على أيام هي من أفضل أيام الدنيا وهي العشر الأواخر من رمضان عن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره» أخرجه مسلم، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» متفق عليه،

وفي هذه العشر ليلة القدر قال تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)

أيها المسلون إن إدراك العشر –والله –فرصة أيما فرصة فأروا الله من أنفسكم جدًا واجتهادًا فقد تكون آخر عشر في حياتكم فأحيوا الليل في بيوتكم تهجدًا ودعاء وتلاوة للقرآن،وابتعدوا عن كل الصوارف والمشغلات.

اللهم استعملنا في طاعتك، واهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، اللهم وفقنا لإدراك ليلة القدر على خير حال وتقبله منا