هل يمكن أن يُوضَّح لي الوسائل المرسلة والفرق بينها وبين البدع، كمسألة جمع المصحف وغيره؟


يقول السائل: هل يمكن أن يُوضَّح لي الوسائل المرسلة والفرق بينها وبين البدع، كمسألة جمع المصحف وغيره؟

الجواب:

ينبغي أن يُعلَم أنَّ المصالح ثلاثةُ أنواع:

النوع الأول: جاء به الشرع بدليلٍ خاص.

النوع الثاني: مصالح ألغتها الشريعة بدليلٍ خاص.

فالأول تسمى مصالح معتبرة، والثاني تسمى مصالح مُلغاة.

النوع الثالث: مصالح لم يأتِ دليلٌ خاص بإثباتها ولا بإلغائها، فمثل هذه إذا صحَّ اعتبارُها بالنظر إلى أدلةٍ أخرى فإنها تسمى مصلحةً مرسلة.

ويحصل إشكالٌ عند كثيرين في التفريق بين المصلحة المرسلة والبدع المُحدَثة، وكشفُ هذا الإشكال أن يُقال: إنه لا يُحدِث أحدٌ وسيلةً للتعبُّد بها إلا لزعمِ أنَّ فيها مصلحةً وأنها خير، لكن مثل هذا لا يُقبَل مطلقًا، بل لابد أن يُنظر إلى المُقتضي لفعل هذه الوسيلة -أي الدافع لفعلها- وفي المقابل يُنظَر إلى المانع مِن فعلها، فإذا كانت هذه الوسيلة موجودةً في عهد النبي ﷺ ومقتضى فعلها كان موجودًا في زمانه ولا مانع يمنع مِن فعلها، ثم لم يفعلها ﷺ، فإنَّ هذه تكون بدعةً مُحدَثة؛ لأنها لو كانت خيرًا لفعلها النبيُّ ﷺ.

أما لو كان المُقتضي غيرَ موجودٍ في زمانهم، أو كان موجودًا لكن هناك مانع يمنع مِن فعل هذه الوسيلة، فإنَّ فعل هذه الوسيلة مِن المصالح المرسلة لا البدع المُحدَثة، فالأذانُ في مُكبِّرات الصوت وتسجيل الدروس والمحاضرات في المسجِّلات، هذه مصلحةٌ مُرسلة وليست بدعة؛ لأنَّ هناك مانعًا كان يمنعُ النبيَّ ﷺ وأصحابه مِن أن يتَّخذوها، وهو عدم اختراعها في زمانهم، لذا هي مصلحةٌ مرسلة.

ومثل ذلك جمعُ الصحابة -رضي الله عنهم- للقرآن، فإنَّ القرآن لم يُجمَع في عهدِ النبي ﷺ؛ لأنَّ المُقتضي لجمعِه ليس موجودًا فما كان يُخشى ذهابه، فلما خُشيَ ذهابُه أشارَ عمر على أبي بكر -رضي الله عنه- بجمعِ القرآن كما أخرجهُ البخاري، إذن اختلف المقتضي في عهد الصحابة عن عهد النبي ﷺ، فمثل هذا مصلحةٌ مرسلة لا بدعةٌ مُحدَثة.

هذا ملخص ما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم)، إلا أنه نبَّه إلى تنبيه دقيقٍ، وهو أنه قال: لا يصح أن تكون الذنوب سببًا ومُسوِّغًا لإحداثِ الوسائل، بل يُؤمر الناس بالرجوع إلى شرع الله، فلو قال قائل: إنَّه يصعب على الناس أن يتَّعظوا بقراءة كتاب الله وبقراءة سنة النبي ﷺ، فنُحدِث لهم وسائل أُخرى كالأناشيد الإسلامية وغير ذلك، فيقال: هذا خطأ، بل يُؤمَر الناس أن يرجِعوا إلى دين الله، لا أن يُغيَّر دينُ الله لأجل ذنوب العباد وتقصيرهم.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

465_2


محتوای اشتراک گذاری:
0