من صور تحقيق مصالح الدول: التحالفات العسكرية والسياسية، والحكومات والقادة هم الفاعل الرئيس في ذلك.
لكن من صور الخلل المنهجي عند الإخوانيين: تقمُّصهم دور القادة والساسة في قضايا الأمة الكبرى، وإثقال كاهل الأفراد والشعوب بهموم ليست من مسؤولياتهم، ولم يكلفهم الله بها، بل هي من خصائص الحكام والقادة فحسب.
وبهذا يفسد دينهم؛ لضعف اشتغالهم بالواجبات العينية، وانشغالهم بما لم يُكلّفوا به، وتفسد دنياهم؛ بملاحقة الحكومات لهم بسبب مزاحمتهم للقادة في خصائصهم ومخالفته لهم.
ومن أبرز صور هذا الخلل: تصويرهم أن اجتماع الدعاة وطلبة العلم مع القبورية والأشعرية وسائر أهل البدع، وترك هجرهم، هو ما سيحقق النصر على الأعداء والمصالح الكبرى للأمة! وأن العمل بهجر أهل البدع سيُضعف الأمة ويُشتت صفوفها! وهذا من ابتداعهم الديني وإفلاسهم السياسي.
ولتتأكد من أوهامهم السياسية وفسادهم الديني: تأمّل في التحالف الأخير بين السعودية وباكستان وتركيا -مع تباين عقائدهم ومناهجهم- فهل السلفي إذا عمل بالواجب الشرعي تجاه أهل البدع -في الدول الحليفة وغيرها- له أدنى أثر مباشر في قوة هذا التحالف أو ضعفه؟
بل إن المعاصي -ومنها ترك هجر أهل البدع والتحذير منهم- من أعظم أسباب ضعف المسلمين، كما جاءت بذلك النصوص الشرعية.
ومن رؤوسهم المتقمصين لهذا الدور أحمد السيد، ومن الطرائف أنه في وقت قتال أحمد الشرع لقوات بشار الأسد أعطى طلابه (الجيل الصاعد) إجازة لمدة أسبوع لأجل متابعة الأخبار المتعلقة بذلك! وهذا الجيل الصاعد المسكين يعيش بهذا في أوهام وكأنه فاعل مؤثر في اجتماع الأمن والدفاع في هذه الحرب!
وقد وثقت شيئًا من صور تقمُّص أحمد السيد لدور الحكام والقادة في كتاب (إخوانية أحمد السيد – ص28) وهذا نصه:
” خلَّط أحمد السيد بين الواجبات الشرعية المتعلقة بالحكام والقادة، وبين الواجبات الشرعية المتعلقة بالعلماء وطلبة العلم والدعاة، وذلك لما ذكر مسألة جمع الكلمة ووحدة الصف بين العاملين للإسلام، ثم لمَّا مثَّل لذلك أخذ يتكلم عن سيرة نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي! وسرد بعض الأحداث التاريخية للقادة السياسيين والعسكريين في جمع المسلمين المختلفين سياسيًّا وعقديًّا ومنهجيًّا على قتال الصليبيين، ثم قال: ” هذه بركة حصلت بسبب اجتماع الكلمة على هدف وغاية، طيب إيش أحوال أفراد تلك المعسكرات؟ أحوال بعضها تبكِّي تبكِّي تبكِّي، يعني أحوال سيئة بعضها جدًّا، ولكن انت عندك أحد أمرين: يا إنك تجمع السيئين على غاية شريفة، هم ما هم سيئين سيئين يعني، إنو خلاص ما في أحد لا، يعني هو في صالحين وفي سيئين، بس في ناس سيئين جدًّا يا إنك تجمعهم على غاية واحدة شريفة صحيحة تحت فكرة صحيحة ووجهة صحيحة وترضى أن تغض الطرف عن بعض الأخطاء والإشكالات والنقص، فتتحقق لك ثمرة دفع مفسدة أعظم ولو كان فيها ارتكاب مفسدة أدنى، يا إنك تبقى على المفسدة العظمى، هي كذا، هي هذي، لذلك هذا يعني هو في الأخير هذا هو الفقه، وهذا اللي ذكره العلماء في قضية الفقه، خير الخيرين، تعرف خير الخيرين فتأتيه وتعرف شر الشريين فتجتنبه، تزاحم المصالح والمفاسد باب فقهي عظيم، باب في قواعد الفقه والاستنباط والاستدلال عند العلماء، باب شريف هذا باب شريف جدًّا وعظيم ” [1].
ثم استمر في إلباس أعمال الحكام بأعمال أهل العلم والدعاة فقال: ” هذا العدو المفسد المجتث وانت تتطلب الكمال؟ ما في كمال، لا يوجد كمال، شوف طالما أنه الأمة الإسلامية بمرحلة الضعف هذه ترى لا يوجد كمال، هذا فضلًا عن الضعف البشري أو عدم الكمال البشري، بس أنا أتكلم الكمال الممكن، ليس الكمال المثالي، الكمال الممكن في طبيعة النفس البشرية، لا تبحث عنه في هذه المرحلة، افهم يا حبيبي، لا تبحث عنه في هذي المرحلة، هذي مرحلة الضعف العام واللي فيها تحييد للمصلحين وفيها ضعف [2]، فيها يعني قهر، وفيها جهود كثيرة مضنية لحرف البوصلة والتفتيت بين الناس والفتنة بينهم، وشبهات وأفكار وتغريب وتشريق، هذي مرحلة يا جماعة الخير من يتطلب فيها الكمال [3] فهو لا يفهم حقيقة الواقع ولا حتى حقيقة التاريخ ولا حتى حقيقة يعني أنوار الوحي فعلًا، ولذلك نجد أئمة المسلمين الفقهاء حقًّا العالمين بواقعهم لما ينزلون إلى الواقع يدركون يعني حساسية تلك التأثيرات الواقعية ويحاولون في قضية الموازنة، إنو هل هذا النص يمكن العمل به الآن بكامله؟ [4] أو يعمل بما يستطاع منه بما يمكن منه؟ وهكذا، والأمثلة والشواهد كثيرة وأنا أعتبر ترى هذا المقطع فيه يعني هذي عصارة العصارة وخلاصة الخلاصة، وإلا فالكلام كثير ” [5].
وبعض النقاط التي ذكرها صحيحة -مثل حرص الحاكم على جمع كلمة المسلمين ضد الكفار في الجهاد- لكنها في المصالح التي يقدرها الحكام والمسؤولون العسكريون فيما يتعلق بمصالح المسلمين العامة، والتي لا تتنافى مع أصل هجر أهل البدع وعدائهم، فجميع المسلمين تحت حكمه ومسؤوليته، فلابد من أن يقوم المسلمون كلهم سنيّهم وبدعيّهم بطاعة الحاكم المسلم والاجتماع عليه، وأن يُلبّوا نداءه إذا دعا للجهاد الشرعي، ويتعاونون معه على البر والتقوى، وأيضًا على الحاكم واجبات تجاه رعيته المسلمين سنيّهم وبدعيّهم في حفظ مصالحهم ورعايتها، فللحكام والقادة من مراعاة المصالح ما ليس للمحكومين؛ لأنهم يُراعون أمورًا تتعلق بعامة المسلمين، وهذه الأمور لا يشركهم غيرهم فيها.
وهذا لا يعني أن الأصل في الحاكم العمل بالاستثناءات، بل هو كغيره مُخاطب بالنصوص الشرعية، ويُناصح ويُنكر عليه بالطرق الشرعية إذا قصَّر في ذلك، ومن ذلك: هجر أهل البدع وعدائهم، فمن واجباته تجاه ذلك: ألا يُمكِّن أهل البدع من المناصب [6]، وأن يكبت كل ما يؤدي لتمددهم وانتشارهم بين المسلمين، وألا يُعزهم بل يذلهم ويقصيهم، ويقوي أهل السنة، وهكذا يقوى الحق ويرتفع ويضعف الباطل ويُذَل.
فإذا فهمت أن هناك فرقًا بين الواجبات الشرعية التي تخص الحاكم والواجبات الأخرى التي تخص غيره من المسلمين، اتضح لك تخليط أحمد السيد فيما يدعو إليه الدعاة والمصلحين من أشياء هي من خصائص الحكام والقادة السياسيين.
ولا غرابة أن يصدر مثل هذا من الإخوان المسلمين والسرورية، فهؤلاء دعاة ثوريون، فمن صميم منهجهم مناطحة الحكومات، والثورة على الأنظمة بشتى الوسائل؛ لاعتقادهم أن الأمة لابد أن تضحي لإزاحة الطغاة والجبابرة ليتم لها إصلاح الأمة عبر المؤمنين بمنهجهم الحركي الإصلاحي، ليحققوا التمكين والنصر على أعداء الأمة، لذلك تراهم في كثير من خطاباتهم يتقمَّصون دور القادة والحكام، لاسيما في أحداث غزة الحالية.
أما اجتماع الأمة الإسلامية تحت حكم حاكم واحد، وأن يسعى الحكام لأن تتوحد دولهم بدلًا من هذا التفرُّق والتمزُّق الذي يزيدهم ضعفًا، فلا شك أن هذا من مقاصد الشريعة، وعلاج هذا الإشكال بمناصحة الحكام المسلمين وحثهم على ذلك، وليس بإهمال محاربة البدعة وأهلها! لأن التقصير في محاربة البدعة وأهلها يضر المسلمين في دينهم ودنياهم وقوتهم تجاه عدوهم الداخلي والخارجي، كما سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
وفيما يتعلق بتقتيل إخواننا في غزة، قل لي بربك، ما هذا الإثم العظيم، وما هذه المفسدة العظيمة المترتبة على قيام المسلم في غزة بهجر القبوريين والأشاعرة وسائر أهل البدع؟ وما هي المصلحة المتحققة والنُّصرة الأكيدة المترتبة على تركه هجر هؤلاء المبتدعة؟! صحيح إذا وُجدت صورة لمصلحة معينة كأن يتعاون أهل غزة على إسعاف المصابين، وتوفير الطعام، ونحو ذلك، ولا تتحقق هذه المصلحة إلا بأن يتعاون جميع أهل غزة سنيهم وبدعيهم، فلا شك أنه في مثل هذه الصورة يُترَك الهجر، لكن بقدر هذه الحاجة، لا أن يمتد الأمر إلى التهوين من بدعتهم ومن هجرهم عليها، وإسكات وتشويه مَن يحذر منهم!
فلا تلازم بين هذا التعاون -المؤقت- مع أهل البدع لمصلحة راجحة أو لدفع مفسدة متحققة، وبين بغضهم والتنفير منهم ومن بدعتهم، كما أن الأكل من الميتة أو شرب الخمر اضطرارًا لا يعني التسامح في بيان تحريمها والتشديد فيه، فالأكل من الميتة اضطرارًا هي حالة استثنائية والأصل التحريم والمنع، وكذا هجر أهل البدع وعداؤهم هو الأصل، والاستثناء هو ترك هذا الأصل إذا وجدت مصلحة راجحة أو مفسدة متحققة.
ومن أوجه فساد تقريره: أن من الانحراف الكبير حصر عز المسلمين في الانتصارات العسكرية ومقاومة الإلحاد واللواط والشذوذ، مع إهمال الولاء والبراء على الأصول والبدع الكبار من المنتسبين للإسلام، وعدم تصور أن عز الإسلام في ظهور التوحيد والسنة على أهل البدع والانحراف.
وهذا ينم عن جهل بحقائق الدين وما بعث الله به الرسل وما عليه السلف، فإن حقيقة عز المسلمين هو تمسكهم بدينهم، وقيامهم بعبودية الله عز وجل، بل حتى التمكين العسكري والسياسي والقوة والهيمنة ما هي إلا وسيلة لإقامة الدين وتحقيق العبودية، وليس غاية في نفسه، ولكن أحمد السيد يرضى بإهمال تحذير المسلمين من البدع العقدية والعملية بشتى أنواعها ودرجاتها وألا يُعادى ويُحذَّر من أهل البدع هؤلاء، باسم إعزاز المسلمين، وحرمة التنازع والاختلاف! “.
………………………………
[1] مقطع: (هل يمكن توحيد الصف الإسلامي اليوم؟) الدقيقة: (9:08):
[2] هؤلاء ” المصلحين ” لو لم يشتغلوا بالسياسة (غير) الشرعية والعمل على الثورة ومصادمة الحكومات وإشغال المسلمين بذلك، وفي المقابل اشتغلوا بإصلاح عقائد المسلمين وتعبيدهم لله لكان الوضع أفضل بكثير، فبالإضافة للتضييق الذي تسبَّب به المنهج الثوري المنحرف للإخوان والسرورية يريد أحمد السيد أن يُضيف لضعف المسلمين وبعدهم عن دينهم: إهمال العقيدة والولاء والبراء عليها، وفتح الباب لأهل البدع وترك هجرهم والتحذير منهم، فأراد أن يفر من شر فوقع فيما هو أشر منه!
[3] يريد بالكمال هنا: العمل بالواجبات الشرعية وعلى رأسها هجر وعداء أهل البدع.
[4] هو لا يريد بهذا الكلام حقيقة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وإنما يريد إبراز جانب الخروج عن الأصل، كما ذكر سابقًا مسألة الاجتماع مع أهل البدع عند تسلط الكفار، وتقدم أن السلف لم يعتبروا هذه المصلحة، فهي مصلحة مُلغاة، فالواجب مدافعة الكفار وكذلك أهل البدع، ما لم يحصل تزاحم ومفسدة متحققة، وليس مجرد أوهام ومشاريع إخوانية.
[5] مقطع: (هل يمكن توحيد الصف الإسلامي اليوم؟) الدقيقة: (30:05):
[6] روى ابن الجوزي أن رسول الخليفة جاء يسأل الإمام أحمد عن الاستعانة بأصحاب الأهواء؟ فقال أحمد: “لا يستعان بهم “. قال: ” فيستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم؟! “، قال: ” لا، لأن اليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم، وأصحاب الأهواء داعية “. مناقب الإمام أحمد (ص 214) دار هجر – ط2.
ولا يعني ذلك إباحة استعمال الكفار في أمور المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118]. ولكن كما قال ابن تيمية: ” ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء [أي المبتدعة] لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً “. مجموع الفتاوى (28 / 232).
