الخطبة الأولى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَرَ بِالْعِفَّةِ، وَدَعَا إِلَى الطُّهْرِ، وَشَرَعَ الزَّوَاجَ سَكَنًا وَرَحْمَةً، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْحَلَالَ حِصْنًا، وَالْحَرَامَ فِتْنَةً وَبَلَاءً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِمَّا يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ أَلَّا تَسْتَمِرَّ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَصَالِحَ دِينِيَّةً كَثِيرَةً؛ مِنَ الْعِفَافِ، وَكَثْرَةِ الْأَوْلَادِ، وَالِاحْتِسَابِ بِالنَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً، أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا. قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ، فَيَلْتَزِمُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّ الْإِلْفَ مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّ الْفَرَكَ مِنَ الشَّيْطَانِ”، فَاسْتَحْضِرْ دَائِمًا أَنَّ عَدُوَّكَ الشَّيْطَانَ الرَّجِيمَ حَرِيصٌ عَلَى عَدَمِ نَجَاحِ زَوَاجِكَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: 21].
وَإِنَّ لِلطَّلَاقِ أَسْبَابًا، مِنْهَا:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: الْعَجَلَةُ، إِنَّ التُّؤَدَةَ مَحْبُوبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمَ، وَالْأَنَاةَ»، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَجَلَةَ أُمَّ النَّدَامَاتِ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَجَلَةِ تَفُوتُ الْفُرْصَةُ فِي يَدِ الْمُسْتَعْجِلِ، وَقَدْ يَقُولُ مَا لَا يُحْمَدُ فَيَنْدَمُ، بِخِلَافِ التُّؤَدَةِ، وَقَدْ أَكَّدَتِ الشَّرِيعَةُ ذَلِكَ لَاسِيَّمَا فِي الزَّوَاجِ.
لِذَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُطَلَّقَ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، وَلَا أَنْ تُطَلَّقَ فِي حَالِ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا تُطَلَّقُ مَرَّةً، ثُمَّ يُصْبَرُ عَلَيْهَا حَتَّى تَحِيضَ بَعْدَ هَذِهِ الطَّلْقَةِ، ثُمَّ إِذَا طَلَّقَهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنَ الْبَيْتِ وَلَا أَنْ تَخْرُجَ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: 1].
وَكُلُّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُحِبُّ الطَّلَاقَ وَأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى التُّؤَدَةِ وَإِعَادَةِ النَّظَرِ وَعَدَمِ الِاسْتِعْجَالِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُتَزَوِّجَ ذُو نِعْمَةٍ، وَكُلُّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُصَابَ بِعَيْنٍ وَلَوْ مِنْ مُحِبٍّ؛ لِأَنَّهُ مُعْجَبٌ بِزَوَاجِ صَاحِبِهِ، فَلِذَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ أَنْ يُدَاوِمُوا عَلَى أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَإِذَا رَأَوْا مَا يُعْجِبُهُمْ فَلْيُبَرِّكُوا، رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عن أبي أمامةَ بنِ سهلِ بن حنيفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ».
السَّبَبُ الثَّالِثُ: عَدَمُ الْوَاقِعِيَّةِ فِي الزَّوَاجِ، فَيَتَطَلَّبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِ الْكَمَالِيَّةَ وَأُمُورًا غَيْرَ وَاقِعِيَّةٍ، وَهَذَا خَطَأٌ كَبِيرٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ فِيهِ نَقْصٌ، وَمَنْ تَطَلَّبَ الْكَمَالِيَّةَ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَبْقَ لَهُ صَاحِبٌ وَلَمْ تَصْلُحْ لَهُ وَظِيفَةٌ وَلَا عَمَلٌ، وَلَمْ يَسْعَدْ فِي زَوَاجِهِ، بَلْ يَرْضَى بِالْمَوْجُودِ وَيَتَذَكَّرُ مَحَاسِنَ صَاحِبِهِ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ».
السَّبَبُ الرَّابِعُ: الْمُبَالَغَةُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْكَمَالِيَّاتِ، كَالسَّفَرِيَّاتِ الَّتِي تُهْلِكُ، وَكَثْرَةِ الشِّرَاءِ مِنَ الْمَطَاعِمِ، وَتَتَبُّعِ الْأُمُورِ الْمُرْهِقَةِ لِلْمَالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضِيقِ الْحَالِ عَلَى الزَّوْجِ، وَقَدْ لَا يَجِدُ حَلًّا لِضِيقِ حَالِهِ إِلَّا الطَّلَاقَ، أَوْ أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا لَمْ تَتَحَصَّلْ عَلَى الْكَمَالِيَّاتِ وَالْمُشْتَرَيَاتِ كَرِهَتِ الْبَقَاءَ مَعَ الزَّوْجِ، وَكُلُّ هَذَا خَطَأٌ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ وَاقِعِيَّيْنِ وَأَنْ يَعِيشَا بِمَا رُزِقَا، فَالنَّاسُ فِي الرِّزْقِ لَيْسُوا عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّ الْعَاقِلَ يَقْنَعُ بِمَا هُوَ فِيهِ وَيُعَظِّمُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَيَشْكُرُ اللَّهَ عَلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ لَا إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».
السَّبَبُ الْخَامِسُ: عَدَمُ الشُّعُورِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، فَبَعْضُ الْأَزْوَاجِ حَالُهُ بَعْدَ الزَّوَاجِ كَحَالِهِ قَبْلَ الزَّوَاجِ فِي عَلَاقَاتِهِ وَسَهَرَاتِهِ وَارْتِبَاطِهِ بِأَصْحَابِهِ، فَهُوَ كَثِيرُ الِاجْتِمَاعِ بِهِمْ وَالسَّهَرِ مَعَهُمْ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ إِهْمَالُ الزَّوْجَةِ، وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا إِهْمَالُ الْأَوْلَادِ، وَهَذَا مِنَ الْخَطَأِ الْكَبِيرِ، يَجِبُ أَنْ يَسْتَشْعِرَ الزَّوْجُ الْمَسْؤُولِيَّةَ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْقِوَامَةَ بِيَدِهِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34] فَقَدْ فُضِّلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي خَلْقِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ بَيْتِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ»، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلَا يَضَعِ الْبَيْتَ، فَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ اللِّقَاءَاتِ بِالْأَصْحَابِ وَالسَّهَرَ وَإِهْمَالَ الزَّوْجَةِ أَوْ وَضْعَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا الْأَيَّامَ الْكَثِيرَةَ، وَهَذَا مِنَ الْغَلَطِ وَمِنْ أَسْبَابِ ضَعْفِ قُوَّةِ الْمَحَبَّةِ وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وَكَذَا فِي الْمُقَابِلِ بَعْضُ الزَّوْجَاتِ لَا تَسْتَشْعِرُ أَهَمِّيَّةَ أَنَّهَا زَوْجَةٌ وَأَنَّهَا رَبَّةُ مَنْزِلٍ وَأَنَّهَا مُطَالَبَةٌ بِالْقِيَامِ بِشُؤُونِ الْبَيْتِ وَكَسْبِ الزَّوْجِ وَحُسْنِ التَّبَعُّلِ لَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، تَأَثُّرًا بِبَعْضِ الدَّعَوَاتِ الدَّخِيلَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَسَلًا، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ الْجَمِيعَ.
السَّبَبُ السَّادِسُ: لَابُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمَشَاكِلِ وَالْخِلَافَاتِ فِي الْبُيُوتِ الزَّوْجِيَّةِ، فَمَا مِنْ عَلَاقَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنْ أَصْدِقَاءَ أَوْ صَدِيقَاتٍ أَوْ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ إِلَّا وَلَابُدَّ أَنْ يَحْصُلَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ، وَهَذِهِ جِبِلَّةُ الْبَشَرِ، لَكِنَّ الْعَاقِلَ يُقَلِّلُ الْخِلَافَ وَيُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَهُ وَيُحَاوِلُ إِصْلَاحَهُ، وَيَجْعَلُ طَرِيقًا لِلصُّلْحِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَشِيرَ -وَهَذَا مُهِمٌّ- يَسْتَشِيرُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلِاسْتِشَارَةِ وَمِمَّنْ هُوَ نَاصِحٌ، لَا مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِشَارَةِ وَلَيْسَ نَاصِحًا، وَهَذَا خِطَابٌ مَوْجُوهٌ لِلزَّوْجَيْنِ.
السَّبَبُ السَّابِعُ: غِيَابُ الْهَدَفِ مِنَ الزَّوَاجِ عِنْدَ الزَّوْجَيْنِ، فَاسْتِحْضَارُ الْهَدَفِ مُهِمٌّ لِدَوَامِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَمِنْ أَهْدَافِ الزَّوَاجِ الرَّئِيسَةِ إِعْفَافُ النَّفْسِ وَعِبَادَةُ اللَّهِ بِهِ، وَتَكْوِينُ أُسْرَةٍ، فَإِذَا اسْتَحْضَرَ هَذَا الزَّوْجَانِ مَا بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ تَحَمَّلُوا كَثِيرًا مِنَ الْمَشَاقِّ.
السَّبَبُ الثَّامِنُ: التَّفَكُّرُ فِي النِّهَايَاتِ، فَإِنَّ نِهَايَةَ الطَّلَاقِ انْتِهَاءُ الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، يَا تُرَى مَاذَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ هَلْ سَيَجِدُ الزَّوْجُ امْرَأَةً كَامِلَةً أَوْ سَتَجِدُ الْمَرْأَةُ زَوْجًا كَامِلًا؟ كَلَّا؛ فَإِنَّ الْبَشَرَ ضَعِيفٌ وَخُلِقَ ضَعِيفًا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28] وَقَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72] فَلْيُحَاوِلِ الزَّوْجَانِ الرِّضَا بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ وَاخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُمْ، فَإِنَّ فِي هَذَا خَيْرًا كَثِيرًا وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ وَاجْعَلْ زَوَاجَهُمْ زَوَاجَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ، وَعِزًّا وَصَلَاحًا لِأَنْفُسِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُجْتَبَى، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الزَّوَاجَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الْعَظِيمَةِ وَآلَائِهِ الْجَسِيمَةِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21] فَلَا يَسْتَشْعِرُ هَذِهِ الْآيَةَ وَالنِّعْمَةَ إِلَّا الْمُتَفَكِّرُونَ، فَتَفَكَّرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ وَهِيَ الزَّوَاجُ، تَفَكَّرُوا كَمْ فِيهَا مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ وَالْعَطَايَا الْجَسِيمَةِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا إِعْفَافُ النَّفْسِ عَمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَالْعِبَادَةُ لِلَّهِ بِهَذَا الْعَمَلِ الَّذِي يُحِبُّهُ، وَهَذِهِ النِّعْمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى شُكْرٍ كَثِيرٍ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7] وَشُكْرُهَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دَوَامِهَا.
وَإِنَّ أَعْظَمَ سَبَبٍ لِفَسَادِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ: الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي، لَا تَسْتَهِنُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، لَا تَسْتَهِنُوا بِصَغِيرِهَا قَبْلَ كَبِيرِهَا، فَهِيَ سَبَبُ كُلِّ بَلَاءٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: 49] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165] وَقَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160].
فَآيُ الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ سَبَبُ كُلِّ بَلَاءٍ، وَمِنَ الذُّنُوبِ تَرْكُ الصَّلَوَاتِ وَاجْتِمَاعُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَالنَّظَرُ لِلْحَرَامِ وَالتَّسَاهُلُ فِي حِلِّ الْمَالِ بِأَخْذِهِ مِنَ الرِّبَا أَوِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الْمُحَرَّمِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَرَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ، وَعِلَاجُ ذَلِكَ أَمْرَانِ:
الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: التَّوْبَةُ، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31] وَمَعْنَى التَّوْبَةِ: النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنِ الذَّنْبِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: كَثْرَةُ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، افْزَعُوا -يَا عِبَادَ اللَّهِ- إِلَى الدُّعَاءِ، فَهُوَ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِصَلَاحِ الْحَالِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَهُوَ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِتَآلُفِ الزَّوْجَيْنِ، وَسَبَبٌ عَظِيمٌ لِدَوَامِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَسَبَبٌ عَظِيمٌ لِقَنَاعَةِ الزَّوْجَيْنِ بَعْضِهِمَا بِبَعْضٍ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَعَاسَةِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ: الشُّحَّ؛ الشُّحَّ بِالْمَالِ، وَالشُّحَّ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالشُّحَّ بِالْمَشَاعِرِ الصَّادِقَةِ، فَإِنَّ هَذَا الشُّحَّ يُوَلِّدُ الْبَغْضَاءَ، وَيُورِثُ الْحَسَدَ، وَيُفْسِدُ كُلَّ جَمِيْلٍ، فَابْتَعِدُوْا عَنْ كُلِّ مَا يُورِثُ الْبَغْضَاءَ وَالشِّقَاقَ، رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَاسْتَقِيمُوا عَلَى دِينِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَاقِلَ مَنْ جَعَلَ حَيَاتَهُ الزَّوْجِيَّةَ ذُخْرًا لَهُ فِي آخِرَتِهِ، لَا مَحَطَّةً لِاسْتِمْتَاعٍ لَحْظِيٍّ زَائِلٍ فِي دُنْيَاهُ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا -كَمَا تَرَوْنَ- سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، وَمَا أَسْرَعَ ذَهَابَهَا! فَاسْعَوْا لِبِنَاءِ بُيُوتٍ تُشِيدُ صُرُوحَهَا عَلَى التَّقْوَى، وَتَبْقَى آثَارُهَا بَعْدَ الرَّحِيلِ، علَّقَ البخاريُّ عَنْ عَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- أنهُ قالَ: ” ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ”.
اللَّهُمَّ يَا مَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، اللَّهُمَّ وَفِّقِ الْمُتَزَوِّجِينَ فِي زَوَاجِهِمْ وَاجْعَلْهُ زَوَاجَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي زَوَاجِهِمْ، اللَّهُمَّ مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ مُنَّ عَلَيْهِ عَاجِلًا بِالزَّوَاجِ وَعِفَافِ النَّفْسِ وَاجْعَلْ زَوَاجَهُ زَوَاجَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ.
