يقول السائل: كيف نستقبل شهر رمضان؟
الجواب:
إنَّ أهل الإيمان يفرحون بشهر رمضان، ويستقبلونه بكل فرحٍ وسرور، كفرح الأم التي تستقبل ولدها قد طال انتظاره، أو أشد؛ لما في هذا الشهر المبارك مِن الأجور العظيمة والفضائل الكثيرة.
ومِن تلك الفضائل أنه شهرٌ أُنزِلَ فيه القرآن، ولم يُختَص هذا الشهر بإنزال القرآن إلا وهو دليلٌ على فضلِه ومحبةِ الله له، كما قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185].
ومن الفضائل أنه شهرٌ أُوجِبَ فيه الصيام، ولم يُوجِب اللهُ فيه الصيام إلا لمحبتِه له، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وكما أخرج الشيخان مِن حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ قال: «بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ …» وذكر منها صيام رمضان.
فلمَّا كان الأمر كذلك، كانت الحسنات مُضاعفةً في رمضان، وحكى الإجماع على ذلك بعض أهل العلم، كصاحب كتاب (مطالب أولي النهى).
والآثار السلفية في ذلك غير قليلة، ومِنها ما روى ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن مريم -رحمه الله تعالى- أنه قال: كان مشيختنا يقولون: إذا جاء رمضان جاء المُطهِّر -أي المُطهر مِن الذنوب- وكانوا يقولون: انبسطوا في النفقة في رمضان، فإنَّ النفقة في رمضان تعدِلُ النفقة في سبيل الله -أي الجهاد- وكانوا يقولون: تسبيحةٌ في رمضان تعدِلُ ألف تسبيحةٍ في غير رمضان.
وروى الترمذي عن الزهري أنه قال: تسبيحةٌ في رمضان أفضل مِن ألف تسبيحةٍ في غير رمضان.
فهذا يدلُّ على أنَّ الأعمال الصالحة مُضاعفةٌ في هذا الشهر، فلأجل هذا يفرح به أهل الإيمان فرحًا شديدًا، وتبتهج نفوسهم وتسر بهذا الشهر المبارك.
ومِن فضائل هذا الشهر أنَّ مَن صامه إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه، كما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ومِن فضائله أنه مَن قامه إيمانًا واحتِسابًا غُفر له ما تقدَّ مِن ذنبه، كما أخرجه الشيخان مِن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ومعنى: «إيمانًا واحتِسابًا» أن يصومَه مُصدِّقًا به ومُحتسِبًا ذلك بأن يبتغي الله وحده دونَ أحدٍ سواه، كما بيَّن هذا الحافظ ابن حجر في شرحه على البخاري.
ومِن فضائل هذا الشهر أنه كفَّارةٌ فيما بينه وبينما قبله مِن رمضان، وكفَّارةٌ بينه وبين الشهر الذي يأتي بعده مِن رمضان، أخرج مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «رمضان إلى رمضان، كفارةٌ لما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر».
لذا ينبغي على أهل التقوى ومُريدي الجنة أن يتوبوا إلى الله مِن الكبائر حتى تُكفَّر جميع ذنوبهم.
ومِن فضائل هذا الشهر: أنَّ العمرة فيه تعدِلُ حَجَّة، كما أخرج البخاري مِن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ قال: «عمرةٌ في رمضان تعدِلُ حَجَّة».
ومِن فضائل هذا الشهر أنَّ مَن صلى مع الإمام صلاة القيام فإنَّ له أجر قيام الليلة كلها، كما ثبت عند الأربعة مِن حديث جبير بن نفير عن أبي ذر أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة».
ومن فضائل هذا الشهر أنَّ فيه العشر الأواخر، وقد كان النبي ﷺ يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، أخرج البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كان إذا جاء العشر شدِّ مِئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله. وأخرج مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كان النبي ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها.
ومن فضائل هذا الشهر أنَّ فيه ليلة القدر، وقد قال الله عن هذه الليلة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 2-3].
إلى غير ذلك مِن الفضائل العظيمة، لذا ينبغي أن نستقبله بكل فرحٍ وسرورٍ وابتهاجٍ، وأن نجد ونجتهد فيه في طاعة الله، لنفوز بالأجور الكثيرة وبالحسنات المُضاعفة، فإنَّ هذا الشهر أيامٌ معدودات وما أسرع انقضاءها، فحاول أن يكون هذا الشهر خير شهرٍ مَرَّ عليك في عمرك، حاول أن يكون خيرًا مِن الشهور الماضية مِن رمضان.
أسأل الله أن يشرح صدورنا به، وأن يُفرحنا به، وأن يجعلنا مِن المُقبلين فيه على الطاعات، وأن يجعلنا ممن صامه وقامه إيمانًا واحتِسابًا، إنه الرحمن الرحيم.
