يقول السائل: يكثُر في رمضان قراءة المسلمين للقرآن، فلو ذكرت بعض أحكام القرآن.
الجواب:
إنَّ للقرآن أحكامًا هي ما بين وجوبٍ أو استحبابٍ ينبغي لتالي القرآن وللمُتعبِّد بقراءته أن يُراعي هذه الأحكام.
مِن هذه الأحكام: أنَّ قارئ القرآن إن كان عليه حَدَثٌ أصغر فيجوز له أن يقرأ القرآن مِن حفظه، لكن مِن غير أن يَمَسَّ القرآن مباشرةً بدون حائل، فقد أجمعَ صحابةُ رسول الله ﷺ على أنه لا يجوز لمَن كان عليه حدَثٌ أصغر أن يمسَّ القرآن بِلا حائل، حكى الإجماع ابن تيمية وابن رجب وجماعةٌ مِن أهل العلم.
فدلَّ هذا على أنَّ مَن عليه حدَثٌ أصغر يجوز له أن يقرأ القرآن مِن حفظه لكن لا يجوز له أن يَمَسَّ القرآن بلا حائل، أما لو لَبِس القفازات أو مَسَّ القرآن بحائل فإنَّ مثل هذا جائز.
أما مَن عليه حدَثٌ أكبر فلا يجوز له أن يقرأ القرآن مِن حِفظه، ولا يجوز له أن يَمَسَّه مِن باب أولى؛ لأنَّ مَن عليه حَدَثٌ أصغر لا يجوز له أن يمسَّ القرآن، فمَن عليه حدَثٌ أكبر مِن باب أولى.
وقد اتَّفقت المذاهب الأربعة على أنَّ مَن عليه جنابة فإنه لا يجوز له أن يمسَّ القرآن، وقد صحَّ النهيُ في ذلك عن عمر -رضي الله عنه- عند البيهقي في (الخلافيات) وثبت عند ابن أبي شيبة عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: أما الجُنُب فلا ولو آية. أي لا يجوز للجُنُب أن يقرأ القرآن مِن حفظِه.
أما الحائض فعلى أصح قولي أهل العلم -وهو قولٌ لمالك ورواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- يجوز للحائض أن تقرأ القرآن مِن حفظها، لكن لا يجوز لها أن تمسَّ القرآن، وفي حكم الحائض النفساء، فإنَّ الأصل في أحكام النفساء أنها أحكامُ الحيض إلا بدليلٍ شرعيٍّ، وليس هناك دليلٌ شرعيٌّ يدل على أنه لا يجوز للحائض أن تقرأ القرآن بلا مَسٍّ.
ومِن الأحكام المتعلقة بالقرآن: أنَّ مَن قرأ القرآن تمرُّ به آية سجدة، فيُستحبُّ لمَن مرَّتْ به آية سجدة أن يسجد، ولو لم يكن في فضلها إلا أنَّ فيها إبكاءً للشيطان، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا قرأ ابن آدم آية السجدة وسجَد، تنحَّى الشيطان يبكي ويقول: أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد، وأُمرت بالسجود فأبيت».
إلا أنه إذا كان يقرأها في صلاته فإنه يُكبِّر لخفضِهِ ورفعِه، لما ثبت في البخاري مِن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ كان يُكبِّر في خفضِه ورفعِه.
ومما يتعلق بسجدة التلاوة أنه لم يصح حديثٌ -والله أعلم- فيما يُقال في سجدة التلاوة، وحديث: «سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره» أخرجه أبو داود لكنه مِن طريق أبي العالية عن عائشة، ولا يصحُّ إسناده، فلذا يقول في سجدة التلاوة ما يقوله في بقية السجدات، كما ذكر هذا النووي وغيره مِن أهل العلم.
ومما يتعلق بآداب القرآن: أنه مَن انتهى مِن قراءة القرآن فلا يصح له قول: صدق الله العظيم. وقد اعتاد كثيرٌ مِن المسلمين أنهم إذا انتهوا مِن قراءة القرآن قالوا: صدق الله العظيم. وهذه بدعةٌ منكرة، فإنها لو كانت خيرًا لفعلها النبي ﷺ وصحابته الكرام.
وجاء في حديث ضعيف أنه إذا انتهى مِن تلاوة القرآن يقول كفارة المجلس، وقد بيَّنتُ في جوابٍ سابق ضعفَ هذا الحديث وأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.
ومما يتعلق بالقرآن أنَّ الأصل أن يُتدبَّر، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] وأن يُجتهد في تدبُّره وفهم معناه، إلا أنه في مواسم الخيرات كرمضان يُغلَّب كثرة القراءة على التدبُّر، كما كثرت الآثار في ذلك عن سلف هذه الأمة، وقد نقل طرفًا منها النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه (التبيان في آداب حملة القرآن)، وابن رجب في كتابه (لطائف المعارف)، وابن كثير في تفسيره.
فقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: إنه في مواسم الخيرات كرمضان يُغلَّبُ كثرة القراءة على تدبُّر القرآن، كما فهم سلف هذه الأمة. ونسبَ ذلك للإمام الشافعي والإمام أحمد -رحمهما الله تعالى-، ويدل على ذلك فعلُ سلف هذه الأمة -رحمهم الله تعالى-.
ومما يُخطئ فيه بعض المسلمين أنهم يُزينون جدر بيوتهم ومكاتب عملهم بآياتٍ مِن القرآن، كآية الكرسي والمعوذتين وغير ذلك، وقد أنكر هذا علماؤنا كشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-، وبيَّن أنَّ القرآن لم ينزل زينةً يتزخرف الناس به.
وأيضًا مما يتعلق بالقرآن أنَّ بعض المسلمين إذا سقط مصحفه بلا قصدٍ ولا إرادةٍ فإنه إذا رفع المصحف قبَّله، وهذا خطأ ولم يفعله الصحابة -رضي الله عنهم-، ولو كان خيرًا لفعلوه، لذا بيَّن الإمام أحمد ثم ابن تيمية أنَّ مثل هذا لم يثبت عن سلف هذه الأمة، فلا يصح أن يُفعَل، فإنه لو كان خيرًا لكانوا أسبق إلى فعله.
إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة، وإنما ذكرتُ طرفًا مِن هذه الأحكام تذكرةً لي ولإخواني المسلمين، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
