يقول السائل: نودُّ أن تقول لنا قولًا فصلًا فيما يخصُّ مسألة العذر أو عدم العذر بالجهل.
الجواب:
لا أستطيع أن أفصل في أمثال هذه المسائل، فإنَّ أمثال هذه المسائل مِن مسائل الاجتهاد التي يُقال في مثلها: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب. كغيرها مِن المسائل الاجتهادية الكثيرة، لكن يهمني أن يعرف السائل ما يلي:
الأمر الأول: أنَّ هذه المسألة مِن مسائل الاجتهاد ويسوغ الخلاف فيها، لذا مَن قال بعدم العذر بالجهل فله سلفه، ومَن قال بعدم العذر بالجهل فله سلفه، وقد نصَّ جمعٌ مِن علمائنا على أنَّ المسألة مما يسوغ الخلاف فيها، ذكر ذلك شيخنا العلامة ابن باز -رحمه الله- في تعليقاته على كتاب (تيسير العزيز الحميد)، وشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في فتاواه، بل نصَّ على أنَّ هذه المسألة مِن جملة المسائل الفقهية، والعلامة المُحدِّث عبد المحسن العَبَّاد -حفظه الله تعالى- في رسالةٍ له، وعلامةُ ومُحدِّثُ اليمن مقبل الوادعي -رحمه الله-، وذكره غيرهم مِن أهل العلم.
فهذه المسألة مسألة اجتهادية لا ينبغي التشديد فيها، لذا كان مِن علمائنا مَن يعذُر، ومنهم مَن لا يعذُر، ولم يتهاجرا ولم يتباغضا لأجل هذه المسألة.
الأمر الثاني: ينبغي عند دراسة هذه المسألة أن تُدرَس بدليلها، وأن يُنظَر إلى الدليل الشرعي وألا يكون قول فلان أو فلان مِن العلماء سببًا لترجيح أحد القولين، فإنَّ القاعدة عند اختلاف وتنازع العلماء أن يُرجَع إلى الأدلة الشرعية، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: 59].
الأمر الثالث: أنصح إخواني ألَّا يشتغلوا بأمثال هذه المسائل التي تُسبِّبُ نزاعًا وخلافًا بين أهل السنة، وأن يدعوها وأن يشتغلوا بما هو أهم، حتى إذا رسخت قدمه في العلم فإنه لابد أن يكون محتاجًا لها فيدرسها يومذاك، فما ظهر له عَمِلَ به وتعبَّد به.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
