يقول السائل: ما حكم الاحتفال بالعام الهجري؟ وما حكم تخصيصه بعبادةٍ لتُختم صحيفة العام بعملٍ صالح؟
الجواب:
قبل الإجابة عن هذا السؤال المهم أُحبُّ أنْ أُذكِّر بمقدماتٍ على وجه الاختصار:
المقدمة الأولى:الأصلُ في العبادات الحظرُ والمنع، وألَّا يُتعبَّد إلا بما دلَّ الدليل عليه، وما لا دليل عليه فإنه لا يُتعبَّدُ به؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21] واستدلَّ بهذه الآية الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، وجماعة مِن أهل العلم على ذمِّ وحُرمةِ البدع.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَن أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ»، وأخرج مسلم وعلَّقه البخاري: «مَن عملَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».
إذَن كلُّ العبادات مبناها على الحظر وألَّا يُتعبَّد إلا بما دلَّ الدليلُ عليه، وقد دلَّ على هذا كلام سلفنا، فقد روى الدارمي والمروزي في كتاب (السنة) عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: ” اقتصادٌ في سُنَّة خيرٌ مِن اجتهادٍ في بدعة “، وروى المروزي أيضًا مِثل ذلك عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
وروى أبو خيثمة في كتابه (العلم) عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: ” اتَّبِعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتُم “، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- الإجماع على هذا، وهو أنَّ الأصل في العبادات الحظر والمنع.
المقدمة الثانية:كلُّ البدع محرمة، ولا توجد في الدِّين بدعةٌ غيرُ محرمةٍ، حكى الإجماع على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، بل ذكر ابن تيمية إجماع أهل العلم على أنَّ البدع أشدُّ إثمًا مِن المعاصي الشهوانية، وهذا يدلُّ على خطورة البدع، فلذا مَن قالَ إنَّ هناك بدعةً مكروهةً غيرَ مُحرَّمةٍ فهو مخطئٌ قطعًا، ومُخالفٍ للنصوص الشرعية التي تقدم ذكرُ بعضها، ومُخالفٌ لإجماع أهل العلم الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية.
المقدمة الثالثة:لا يوجد في الدِّين بدعةٌ حسنةٌ، كلُّ البدعِ ضلالةٌ، لذا أخرج مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ»، وروى المروزي والدارمي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: ” وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ “، وروى اللالكائي والبيهقي في كتابه (المدخل) عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: ” وكلُّ بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناسُ حسنةً “، وحكى إجماع السلف على ذلك ابن تيمية والشاطبي -رحمهما الله تعالى-.
إذا تبيَّن هذا، فإنَّ الاحتفال برأس السنة الهجرية وبالعام الجديد الهجري بدعةٌ ولا يصح، فإنه لم يفعل ذلك سلف هذه الأمة، ولو كان خيرًا لكانوا أسبَق إليه، فإذَن الاحتفال به محرمٌ لوجهين:
الوجه الأول: أنه بدعة.
الوجه الثاني: أنَّ الاحتفال به يجعله عيدًا، والأعياد محرمةٌ في الشريعة، ولا يوجد في الشريعة إلا عيدان، كما أخرج أبو داود والنسائي مِن حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قَدِم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «قد أبدلكم الله خيرًا منهما، عيد الفطر وعيد الأضحى».
أما ختمُ السنة بعملٍ صالحٍ بِحُجَّةِ أن تكون صحيفةُ نهاية العام مختومةً بعملٍ صالحٍ، وأنَّ الأعمال بالخواتيم، وبعض الناس يحثُّ الناس على أن يجتهدوا في آخر جمعة مِن العام الهجري، فكلُّ هذه الأفعال لا تصِح، لأمور:
الأمر الأول: أنها بدعة؛ وذلك أنها لو كانت خيرًا لفعل ذلك سلف هذه الأمة، فإنَّ الخير كلَّ الخير في اتِّباعهم.
الأمر الثاني: أنَّ الزَّعم بأنَّ صحيفة العام تُختَم في نهاية العام الهجري، هذا خطأ، فإنَّ الذي وضعَ التاريخ الهجري هو عمر -رضي الله عنه-، وإنما صحيفة العام تُختَم في ليلة القدر على أصحِّ أقوال سلف هذه الأمة، ورجَّحه ابن القيم في كتابه (شفاء العليل)، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: 4-5].
الأمر الثالث: لو قُدِّر جَدلًا أنَّ صحيفة العام الهجري تُختَم في مثل هذا، فإنَّ هذا العمل لو كان خيرًا لكانوا أسبقَ إليه، وهذا تأكيدٌ الأمر الأول.
فخلاصة الأمر: ينبغي لنا أن نتقي الله وألا نتعبَّد بالبدع، وألَّا نجعل العواطف حاكمةً لنا، وألا يُقلِّد بعضنا بعضًا، بل يجب أن نرجِع إلى كتاب الله وإلى سنة النبي ﷺ بفهم سلف هذه الأمة، وإلى كلام علمائنا، فقد أفتى علماؤنا بأنَّ ختم العام بعملٍ صالح منكر وخطأ، كما بيَّنَ ذلك شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- وشيخنا العلامة صالح الفوزان -حفظه الله تعالى- وذكره غيرُهما مِن أهل العلم.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
