كيف الجمع بين قاعدة: الراوي أدرى بمرويه من غيره، وقاعدة: العبرة بما رأى لا بما روى؟


يقول السائل: كيف الجمعُ بين قاعدة: الراوي أدرى بمرويِّه مِن غيره، وقاعدة: العبرة بما رأى لا بما روى؟

الجواب:

قد تكلَّم على هذا الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (الروح) وكتابه (أعلام الموقعين)، وبيَّنَ -رحمه الله- أنَّ العبرة بما روى الصحابي، فإنَّ الحجة في كلام النبي ﷺ، وليست الحجة في قول صحابيٍّ إذا خالَف سنة النبي ﷺ، ثم بيَّن ابن القيم أنَّ الصحابي إذا فعل ذلك فإنه قد يكون فعل ذلك نسيانًا أو متأوِّلًا …إلى آخر ما ذكر مِن الأعذار في هذين الكتابين.

فإذَن لا يجوز لأحدٍ أن يُخالِف سنة النبي ﷺ كما قال الإمام الشافعي: أجمع العلماء على أنَّ مَن استبانت له سنة النبي ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ كائنًا مَن كان.

فإذا حصلت المخالفة بين الصحابي وبين ما روى، سواء كان الصحابيُّ راويًا للحديث أو غير راوي الحديث، فإنَّ العبرة بما روى، لكن ينبغي أن يُنتبَه إلى أمرٍ، وهو أنه إذا كان الصحابيُّ لم يُخالِف الحديث مِن كُلِّ وجهٍ بأن قد يُحمَل كلامُه على تخصيص العام أو تقييد المطلق أو تبيين المجمل، أي على تفسير النص، وهذا الصحابي لم يُخالفه صحابيٌّ آخر، سواء كان هذا الصحابي راويًا للحديث أو غيره، فإنَّ الأصل أن يُحمَل النص على فهم الصحابي، لاسيما إذا كان راويًا له؛ لأنَّ قول الصحابي حُجَّة، والنص حُجَّة، والعمل بالحُجَّتين أولى مِن إهمال أحدهما، وهذا إذا أمكن أن يُحمَل على معنًى صحيح كما تقدم.

ولهذا نظائر، فقد ثبت في الصحيحين مِن حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه روى عن النبي ﷺ قوله: «خالفوا المشركين، وأرخوا اللحى»، روى ذلك البخاري ثم روى بعده أنَّ ابن عمر كان يأخذ مِن لحيته بمقدار القُبضة، وفعل ابن عمر هذا تفسيرٌ للنص، فيكون الإرخاء والإعفاء بقدر القُبضة، كما بيَّن هذا ابن عبد البر -رحمه الله-.

وبعض أهل العلم قد يظن أنَّ هذا مِن باب المخالفة التي تستوجب ردَّ قول الصحابي، لكن في هذا نظر؛ لأنه يمكن أن يُجمَع بين قول الصحابي وبين النص الذي رواه.

ومن أمثلة ذلك: ما ثبت في الصحيحين مِن حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال النبي ﷺ: «مَن مات وعليه صيام صامَ عنه وليُّه»، ثبتَ عند أبي داود عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه حمَلَ ذلك على صوم النذر، وثبت عن عائشة -رضي الله عنها- أنها لم تُجوِّز قضاء صوم رمضان عن أحد مات ولم يصم، فإذن بالنظر إلى عموم النص يشمل جميع الصيام، وبالنظر إلى فهم الصحابي -لاسيما مَن رواه كعائشة- يتبيَّن أنه لا يُعمَّم وإنما يُخصص بصورة النذر.

إلى غير ذلك مِن الأمثلة.

إذَن الخلاصة: الحُجَّة فيما روى الصحابي، والصحابي الذي روى الحديث لا يُعوَّل على قولِه إذا تبيَّن أنَّ قوله مُخالفٌ للنص، لكن إذا أمكن أن يُفسَّر به النص وأن يُجمَع مع النص وأن يرجع إلى بيان المجمل أو تخصيص العام وتقييد المطلق… إلخ، فإنَّ الأولى العمل به، فإنَّ العمل بالحجتين أولى مِن إهمال أحدهما، هذا في عامة الصحابة وفي راوي الحديث مِن باب أولى.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

514_2


محتوای اشتراک گذاری:
0