يقول السائل: ما معنى الديمقراطية؟ وما حكمها؟
الجواب:
إنَّ الديمقراطية في الأصل كلمةٌ يونانية تعني حكم الشعب بالشعب، وما يُرادِف هذا مِن حيث المعنى، فحقيقتها: إذا صوَّت الأكثرون على شيءٍ فإنَّ صوتَهُم مُقدَّمٌ على غيرهِم، فالعمدة على قولِ الأكثرين، هذا ملخص مبدأ الديمقراطية.
وهذه الديمقراطية ضلالٌ في أصلها مِن جهة الشرع، وفسادٌ مِن جهة العقل، ويتبيَّن ذلك بذكر بعض الأوجه، وسأذكرها اختصارًا؛ لأنَّ مثل هذه الأجوبة لا يُطالُ فيها وإنما تكون مختصرة:
الوجه الأول: لا يُعرَف في الديمقراطية الحكم بشرع الله، لا بكتاب ولا سنة، فتُطرح على طاولة المفاوضات أحكام الشريعة، فيصوت عليها الناس، فإن صوَّت بها الأكثرون أُخِذَت وإلا تُركت، فليس في الديمقراطية قرآنٌ مقدَّس، ولا نبيٌّ معظَّم، وإنما العبرة بصوت الأكثرين، وكفى بهذا ضلالًا مِن جهة الشرع.
وعجبي أن يُقال إنَّ الديمقراطية إسلامية، كما يُحاول بعضهم أسلَمَت الديمقراطية، وإنَّ مَسْلَمَلتها مِن الخطأ البيِّن الظاهر، ويكفي فيه ما تقدم ذكره، وهو أشدُّ وضوحًا في الضلال ممن ذكر الله في كتابه الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] مَن أرادوا أن يُسوُّوا بين البيع والربا وقد خطَّأ الله قولهم وبيَّن ضلالهم بقولِه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
الوجه الثاني: الديمقراطية قائمة على الأكثرية، فالنظر فيها إلى الكم لا إلى الكيف، وهذا خطأ في أصلها وذاتها، وهو خطأ شرعًا وعقلًا؛ وذلك أنه لو وُجد هناك طبيبٌ متميِّز أو مهندس متألِّق، أو مثقفٌ …إلخ، فإنَّ صوته يساوي صوت مَن ليس ذا معرفةٍ ولا علمٍ، بل لو صوَّت اثنان مِن أهل الجهل وعدم المعرفة فإنَّ صوتَهُما مُقدَّمٌ على هذا المتميز، سواء كان طبيبًا أو مثقَّفًا …إلخ.
وهذا قادِحٌ عقليٌّ، ومُبيِّنٌ لضلال هذه الديمقراطية وخطئها في نفسِها.
الوجه الثالث: أنَّ مقتضى الديمقراطية الإقرارُ بالتحزُّبات والتعدُّديَّة، ومثلُ هذه سببٌ لضياع الدُّول وإشغال الشعوب فيما لا ينفعهم، بحيثُ يصير هم الشعوب الاشتغال في أمثال هذه الأمور والسعي للوصول لمنصة الحكم، ويتناطح الناس ويتعادون، وقد أشار الله إلى ذلك في كتابه بقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32].
فهذه الأحزاب والتعدُّدية لها ضررٌ كبيرٌ في حرق طاقات وهمم الشعوب وإشغالها فيما هم في غِنى عنه لو كانت الأمور مضبوطةً كما هي في الشريعة الإسلامية.
الوجه الرابع: إنَّ في الديمقراطية ظلمًا عظيمًا؛ وذلك أنَّ الكلمة والقوة والسيادة تكون للأكثرية، وتكون للأغنياء في الغالب أو الأكثرية عددًا إذا كانت الدولة فيها قبائل، فإنَّ القوة لأهل القبيلة الأكثر والغَلَبة لهم، أو للتجَّار أو لغير ذلك، وفي المقابل يُظلَم مَن ليس منهم، بحيث إنَّ القول قولُ الأكثرين ولو كان ضارًّا بغيرهم مِن الأقلين، وفي هذا ظلمٌ عظيمٌ لهؤلاء الأقليَّة.
هذا بيانٌ مختصر لضلال هذه الديمقراطية، ويُردِّد بعضهم إشكالًا ويقول: كيف يُقال هذا ونحن نرى الدول الديمقراطية قد بلَغَت في التقدم ما بلغت؟
فيقال: الجواب مِن وجهين:
الوجه الأول: إنَّ هناك دولًا ديمقراطية وكثير منها -وللأسف- إسلامية وعربية، ولم يحصُل فيها التقدم المزعوم، بل وبعض دول أوروبا وغيرها هي دولٌ ديمقراطية وليس فيها التقدم المزعوم، فهذا التقدُّم الموجود في دولٍ أخرى هو ليس بسبب الديمقراطية وإنما بأسبابٍ أخرى يعرفها أهلها، وليس هذا موضع الإشارة إليها.
الوجه الثاني: أنه لا يُسلَّم بأنَّ هناك دولةً ديمقراطيةً مائة بالمائة، بل هذه الدول تُسيِّرها وتُحرِّكها جهات معينة لها مصالحها، إلى غير ذلك، وإنما استلَّوا ما في نفوس الشعوب وخدعوهم ببيرَق الديمقراطية والعدل التي ظاهرها حسن وباطنها خلاف ذلك.
وأخيرًا: قد يقول قائل: ما موقف المسلم مِن الديمقراطية؟
فيقال: الموقف الأول يجب أن يعتقد ضلالها، ويكفي في ضلالها أنها ليست حكمًا بكتاب الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ويقول: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] ويقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
بل يُفترَض أن يُعتقد كفرها؛ لما تقدم أنه لا يوجد في الديمقراطية قرآنٌ مقدَّس ولا نبيٌّ مُعظَّم، والعجب أن يوجد مِن المنهزمين الإسلاميين مَن يزعُم أنَّ الديمقراطية هي الإسلام، وهذا جهلٌ وضلالٌ وكذِبٌ وافتراءٌ -عافاني الله وإياكم-.
الموقف الثاني: الدول الديمقراطية -في الجملة- أحسن للمسلم الذي يريد أن يدعو إلى الله مِن الدول الدينية، سواء كانت رافضية أو صوفية، أو دولًا يهودية أو نصرانية، فإنَّ في هذه الدول تشديدًا على المسلمين لأنها تدعو إلى دينها، فمِن هذه الجهة هي أحسن للمسلم بحيث يستطيع أن يدعو إلى الله، وصحيح أنه ليس له الحق أن يدعو دعوةً مطلقة، لكنها أحسن مِن غيرها.
الموقف الثالث: ينبغي ألا يغترَّ المسلم وألا يسعى لمنافسة هؤلاء الديمقراطيين في الوصول للحكم؛ لأنه لو قُدِّر وصلَ مسلم -وقد يُوصلون مسلمًا لمنصة الحكم ولا يبقى مِن الإسلام إلا اسمه بالنسبة لأعماله وغير ذلك- فسيضطر للتنازل عن دينه وعن أحكام الشريعة الإسلامية لمحاولة إرضاء الشعوب حتى يصوتوا له مرةً أخرى، فلذا سيخرج مِن الإسلام باسم الإسلام، أو على أقل تقدير سيترك شيئًا عظيمًا مِن دين الله سبحانه وتعالى، فضلًا عن الإقرار بالكفر وغير ذلك.
لذلك أنصح المسلمين ألا يدخلوا الأمور السياسية فيما يتعلق بالدول الديمقراطية، لا في الترشيح ولا في التصويت، وإنما يشتغلون في إصلاح أنفسهم ودعوة الناس إلى دين الله، دع الناس هؤلاء الكافرين يشتغلون في أمثال هذه الأمور واشتغلوا فيما خلقكم الله مِن أجله، والسعي في دعوة الناس إلى الخير، والتعلُّم والتقدُّم في الدين والدنيا، حتى تكونوا متميزين في العلوم الدينية والعلوم الدنيوية.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
